الرئيسية بلوق الصفحة 63

الشيخ الكتوم والمربي الهادئ،،، أبا صهيب

0

المولد والنشأة:
ولد عام 1971 في مستشفى مدينة الطب بجانب الرصافة من بغداد، وينحدر نسبه من فخذ المراشدة من عشيرة الجنابيين، وتسلسله في العائلة اخر الاولاد من الذكور والاناث.
نشأ وسط ابوين كريمين، وورث عن اهله عزة النفس وقوة العزم والصبر واحتمال المكاره، ولقد هيأ الله لهذه السجايا الموروثة ان تنمو وأن تتقوى، اذ امدها بالجو النفسي الذي تتنفس فيه وتتغذى من طيب هوائه، وصقلها بالتجارب التي جلت الصدأ ثم هداها الى الاستقرار النفسي والفكري.
فلم يكد يرى الوجود على حقيقته حتى رأى انه وحيد فيه، فقد فقد اياه ورعته امه، وما كاد يثبت حتى فقد والدته، فعاش معنى اليتم الذي اثر على حياته في قابل الايام، وقد صدق من قال: ان هنالك خمسة امور تؤدي الى المععالي، وهي: شرف النسب والحسب، واليتم الذي ينشئه منذ فجر الصبا معتمدا على نفسه وتدبيره وبلائه، وحال من الفقر غير المدقع، لا تضام ولا تهاب بطراوة الترف ولا يذلها الفقر ثم قناعة وانطلاق الى العلا الفكري بتقوى الله سبحانه وتعالى وعدم الشعور بقوة لسواه، واخيرا العقل المزدان بالتقوى والمتسلح بالذكاء والالمعية.
اساتذته الكبار:
في حياة الشيخ الكثير من الاساتذة مهم د. طه حامد، والشيخ سامي الجنابي، ود. يونس الجنابي، ود. شاكر الجنابي، ولكن يبقى الاستاذ المهندس اياد العزي رحمه الله في ذروة هؤلاء، فقد زرع في نفسه حب الدعوة الى الله والتضحية من اجلها، وعلمه كيف يكون الكرم وانه خصلة من خصال الشجعان، وكيف يدخل الى قلوب اصحابه، وزرع في نفسه الثقة والقدرة والمطاولة والاصرار.
هذه الصفات وهذه الخصال التي اخذها عن شيخه العزي الذي قلما يجود بمثله الزمان نقلها الى اصحابه واحبابه، فرحم الله الشهيدين الاساذ والتلميذ واسكنهما فسيح جناته.

طريق الدعوة:
يحدثنا الاخ حسين محسن الذي كان سببا في هداية الشهيد علاء رحمه الله سنة 1989 قائلاً: ( عندما كنا في المرحلة الثانية – معهد اعداد المعلمين، كنا نؤجر سيارة تاخذنا الى المعهد، ثم بعد انتهاء الدراسة تنقلنا الى البيت، وكنا نصل يوميا مع اذان العصر تقريبا، وكنت الوحيد الذي ينزل قرب جامع المحمودية الكبير، وعندما يسالني الشهيد (علاء) او احد الطلاب الى اين: اخبرهم باني اصلي العصر في الجامع، وكان يؤلمني ان انزل وحدي، وكنت اقول للشهيد لم لا تنزل معي نصلي معاً؟.. فكان رحمه الله يعتذر لي بانه لا يستطيع، او انه سوف يصلي في البيت، وكنت صبوراً معه، حتى هلّ علينا رمضان الخير، فقلت هي فرصة لدعوة الشباب جميعاً، فسالت علاء يوما: يا علاء اريد ان اسالك وتجيب بصراحة، فقال تفضل. قلت له: هل من سبب يمنعك من الصلاة في المسجد؟ فقال: لا. وفي هذه الاثناء ونحن نقترب من الجامع الكبير، واذان العصر يرتفع، فقلت: اذن ننزل معا نصلي ، فوافق، ثم اتفقنا ان يكون الافطار عند احد الطلاب لكل يوم، من باب التعارف وتقوية الاخوة، فكان هذا بداية الطريق للشهيد الذي عرف بانه اجتماعي، وله قابلية في تكوين العلاقات السريعة، وكان بالمسجد الكبير حينها الحجي خضير والشيخ يونس، وبما انهما من عشيرة الشهيد وكانا مسؤولين عن الجامع فالتعرف اليهما اسهل من غيرهما، مع العلم انه في هذه السنة 1989 كان بداية الصحوة لشباب العراق انذاك، وكان الكثير من الشباب يلتقون بالمسجد ويتهادون الكتب والمصاحف وبعض المحاضرات المسجلة بالكاسيتات، فكان انتقال الشهيد علاء سريع جدا مع هذه الاجواء الايمانية).
من هنا كان المنطلق، ومنها بدأت معه الدعوة الى الله عز وجل. وتحدثنا ابتسام ( ام عاتكة) ابنه اخيه واخته من الرضاعة عن هذه المرحلة: بدأ رحمه الله يحفظ سورتي البقرة وال عمران فكنت استمع له ويستمع لي، وكنا لا ننام بعد الفجر، وكان يحدثني على الدعوة، وياخذني معه الى بيوت الاخوات كي ادعوهن واتعايش معهن.
بين الدعوة العامة والتربية:
كم من الدعاة اعتمد على الدعوة الجماهيرية، وحالما مات او تغيب عن الساحة نسته الجماهير، او اصبح مجرد ذكرى طيبة، وكم من الدعاة ركزوا على الدعوة الفردية وتربية الاسر، وحرم عموم الناس من دعوته وبقي يعمل داخل الغرف المغلقة، الا ان علاء جمع بين الامرين، فهر في دعوته العامة في الاسواق والملاعب والمساجد مع علاقاته المميزة مع وجهاء وشيوخ المساجد، وكان ماهرا في نقل الافراد من الدعوة العامة الى الخاصة، فقد كان لديه العديد من الحواضر في الوقت الواحد، وكان يتابع كل اخ من حيث قراءته وتحركاته والزامه، بل وحتى حالته الصحية والمادية، ولذلك استطاع ان ينتج العشرات من الرجال الذين ما زالوا الى الان يعملون على العهد واجرهم يصل اليه وهو في قبره، فهو لم يكن ماهرا في تاليف الكتب، ولكنه كان ماهرا جدا في صناعة الرجال..
الكتمان والعمل الهادئ
مع التوكل العالي له, كان لديه حس امني عال جدا, فهو كان يفرق بين علنية الدعوة وضرورة إشهارها وبين كتمان التنظيم وضرورة إخفائه في زمن النظام السابق, وكان دوما يحمل في يده بعض الكتيبات في كيس اسود كي يوصلها للشباب الجدد وكذلك في جيبه بعض الأشرطة الصوتية المختارة, وقد كان يطعن به أحيانا ويظن به السوء ولكنه يؤثر الكتمان عن الدفاع عن نفسه من اجل المحافظة على العمل وعدم تعريضه الى نكسات قد تؤدي به قبل الوقت الصحيح.

المتابعة الأمنية
فترة التسعينات من القرن الماضي كانت الصحوة الإسلامية في أوج ازدهارها , وكانت هناك حركة واسعة للشباب الإسلامي ولذا كانت السلطات انذاك مراقبة ومتيقظة , وكان للأخ علاء ملف خاص لشهرته الواسعة في الدعوة داخل المحمودية وكان الأمن يطلب ملاقاته بين فترة وأخرى، وعندما تصل اليه الانباء ياتيه بانه مراقب وعليه ان ياخذ حذره، وكنا نظن ان مثل هذه الاخبار ستوقف عمله، لكننا كنا نرى منه عدم المبالاة ويقول: الله الحافظ.
الإبداع في الدعوة
كانت المشاورة الكثيرة مع الإقدام العالي سببا في رعايته للعديد من الأعمال المبدعة, فقد كان يجمعنا كل فترة ويعيد علينا ضرورة رفع الهمة وتوسيع العمل ويطلب المقترحات ويسجلها ويتفاعل معها ويبدي الاستعداد التام في انجازها, فقد اشرف على العديد من المسابقات والاحتفالات والدورات والمعارض والزيارات, وقد أعان على إصدار المجلات والنشريات المسجدية, وسعى في فتح المحلات والمكاتب ذات الصبغة الإسلامية وشارك في تكوين المكتبات العامة والخاصة وكلك التسجيلات الإسلامية, وسعى في إقامة الأعراس الإسلامية واشرف على حملات الختان الجماعي, وقد رعى العديد من المشاريع المخصصة للأطفال كالمهرجانات والمسابقات والسفرات وكذلك كان له اليد العليا في إنشاء فرق الأناشيد والفرق المسرحية, وإقامة الدورات الشرعية والتطويرية ودورات التقوية, وكذلك كان له دورا بارزا في تكوين وإدارة الدوريات الكروية والرياضية العامة, كلها في خدمة الدعوة ومحاولة نشرها.

قصة استشهاده:
كما ترويها ابنة اخيه ام عاتكة حيث تقول: في يوم 17/2/2005 قال علاء رحمه الله اريد ان ازور ابا عاتكة في المعتقل، وبعد ان تم الحجز حصلت المقابلة مع ابي عاتكة وفرح برؤية ابي صهيب اكثر من رؤيتنا ورؤية اطفاله، خرجنا من المعتقل وفي قلبه فرحة وحزن، الفرح لانه افرح قلبي برؤية زوجي، وكانت هذه الزيارة الاولى والاخيرة،، والحزن لانه لم يستطع ان يحجز لاخيه احمد وهو يقول: ماذا اقول له حين يعلم بزيارتي لابي عاتكة ولم ازره لحد الان.. كانت امي بانتظارنا في الخارج ففوجئنا بانها حجزت لمواجهة احمد ابي ابو ابراهيم ليزداد فرحنا بذلك وعندما قرر ابو صهيب ان يذهب لرؤية اخيه، قالت امي اريد الذهاب لرؤية ابي ابراهيم، وارادت ام ابراهيم ان تزور زرجها فاخذهم ابو صهيب معه في اليوم التالي للزيارة اي يوم 20/2/2005، فذهبوا وهو فرحان لرؤية اخيه، ولكن شاء الله ان لا يشاهدوا ابا ابراهيم لانه قد نقل الى سجن بوكا قبل يوم من زيارتهم، فعادوا وهم يرددون ” انا لله وانا اليه راجعون”.
في طريق العودة رجع ابو صهيب من نفس الطريق فرأى الامريكان وهم يؤشرون له بان ارجع، ولكنه لم يرهم، لانه كان لا يرى الا صورة اخيه الذي ذهب الى سجن بوكا في البصرة وهو لم يره، فدخل في طريق الخطأ ( تقول ام ابراهيم التي كانت معه لم تبق سيطرة امريكية الا ورمت عليهم النار، فكان الرصاص ياتيهم من كل مكان، واول ضربة جاءت برأس ابي صهيب ففقد وعيه، وثقلت قدماه على البانزين فاصبحت السيارة تمشي بلا سائق، فكان الرصاص ياتي من كل جهة، لهذا كانت اصابة امي بليغة استشهدت على اثرها، فقامت ام ابراهيم باخراج المنديل ولوحت لهم من نافذة السيارة، فاوقفوا الرمي وجاؤوا لهم مسرعين فوجدوا ابا صهيب وهو مغطى بدمه، فاخذوه بالطائرة وادخلوه الى غرفة العمليات، ولكن كانت اصابته بليغة ففاضت روحه الزكية الى بارئها تشكو ظلم الظالمين).
فاتسشهد يوم 20/2/2005، وبعد ايام استشهدت زوجة اخيه عبد الله واصيب الاخرون، وبدم بارد سلموه الى اهله ولا حول ولا قوة الا بالله.
تغمد الله ابا صهيب بواسع رحمته، واسكنه فسيح جناته، واخلف دعوة الاسلام من يسد مكانه، وكتب لنا المضي في طريقه… آمين.

منظومة القيم الاجتماعية وتحدياتها

0

د.محمد عياش الكبيسي

في ظل الاضطراب الحاد في منظومة القيم الاجتماعية كتحدّ متوقّع من تحدّيات العولمة والانفتاح على القيم المستوردة، وما تمارسه كثير من وسائل الإعلام من ترويج غير مبرر للثقافات الغازية، حتى فيما يتعلق بالعلاقات الأسرية، لكل ذلك راحت الأسرة تدفع ثمناً باهظاً في استقرارها ونمط علاقاتها، ولا أدل على هذا من انتشار معدّلات الطلاق في عموم مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكان من المؤمّل أن يمارس الخطاب الديني دوره في المعالجة وتقديم الحل الأفضل، حيث إن مجتمعاتنا ما زالت تسمع للخطاب الديني وتتأثّر به، خاصة في هذا المجال، إلا أنه من الملاحظ أن الخطاب الديني في كثير من الحالات أصبح جزءاً من المشكلة، وأن الأسر المتدينة ربما لا تختلف كثيراً في مشاكلها عن غيرها من الأسر، فأين يكمن الخلل؟
إن الخطاب الديني في كثير من الأحيان يستحضر الفتوى الجزئية المحدّدة وينزعها عن منظومتها القيمية والأخلاقية، فهو يفتي مثلاً في التعدّد أو الطلاق فتاوى مبتورة عن سياقها القيمي والأخلاقي والتربوي، كأنه يتعامل مع المشكلة بمنطق القضاء والقانون المجرّد من أي اعتبار آخر، والحقيقة أن الدين إنما هو قيم ومبادئ وأخلاق وتربية قبل أن يكون أحكاماً فقهية، بل إن الفقه الإسلامي كله، وفي كل مجالاته، لا يحقق مقاصده وغاياته المرجوّة، إلا بعد أن يتكوّن المجتمع تكويناً إيمانيّاً وأخلاقياً.
إن المفتي الذي يبيح الطلاق بإطلاق ويجعله حقّاً للرجل وعلى وفق مزاجه، حتى إنه لا يشعر بالحاجة لسؤاله عن أسبابه ومبرراته وآثاره المتوقّعة، إنه حقيقة يغفل أو يتغافل عن جملة من المقاصد الكبرى التي يهدف الإسلام إلى تحقيقها في الأسرة والمجتمع، ومن ذلك ما نصّ القرآن عليه في مثل قوله تعالى: «وجعل بينكم مودّة ورحمة»، فلا أدري ما مصير المودّة والرحمة في ظل هذه الفتاوى؟ ثم ما مصير الأولاد الذين هم رأس مال المجتمع وضمانة مستقبله؟ كل هذا ربما لا يخطر في بال المفتي، بل لمست من بعض المفتين العكس، بمعنى أنه ربما يتحرّج من تحذير المطلِّق، خشية أن يقع في تحريم شيء قد أحلّه الله! نعم فهدم المودّة والرحمة لا يعتبره المفتي إثماً، لأن هذا غير منصوص عليه في كتب الفقه، وضياع مستقبل الأولاد كذلك، ومثله تسميم العلاقات الاجتماعية في دائرتها الأوسع، كالأعمام والأخوال، وما إلى ذلك، وفي بعض الأحيان تشعر الزوجة بالظلم الكبير، خاصة تلك التي بذلت حياتها وشبابها ومالها، وقد صبرت معه على كل الظروف الصعبة التي مرّ بها، ثم في أول خلاف معها أو مع أهلها يرى أنه من حقّه – وفق هذه الفتاوى- أن يطلّقها أو يقهرها بطريقة تعسّفية ومستفزّة بزوجة ثانية، دون النظر إلى أي اعتبار آخر.
إن الذي يكشف خلل التكوين الشرعي لدى هؤلاء المفتين أنهم يحفظون أحكام الطلاق بكل تفاصيلها وأدلتها، لكنك حينما تسألهم عن منهج الإسلام في استقرار الأسرة والحدّ من ظاهرة الطلاق تكون إجاباتهم ضعيفة ومرتبكة.
إن المستشرقين والتغريبيين الذين يتهمون الفقه الإسلامي بأنه « فقه بلا أخلاق » ربما يجدون متنفسهم في مثل هذه الفتاوى القاصرة والمرتبكة.
إذا كانت الأسرة هي أساس المجتمع ولبنته الأولى، فإن العلاقة بين الزوجين هي أساس تكوين الأسرة، وعلى هذا كان ينبغي للخطاب الديني أن يعزز كل ما من شأنه أن يرسّخ ثقافة الانسجام بين الزوجين؛ لكن الملاحظ أن بعض هذا الخطاب جعل هذه العلاقة كأنها الحلقة الأضعف في سلسلة العلاقات الاجتماعية، وهذا في تقديري سبب مهم في تفكّك الأسر وانتشار حالات الطلاق، خاصة في الأسر المتديّنة.
يمكننا هنا أن نضرب مثالاً مما هو شائع ومكرر بكثرة؛ فبعض الوعّاظ يختار موضوع العلاقة الزوجية باعتباره محكاً لاختبار الزوج في مدى برّه لوالديه؛ حيث تشتبك في الكثير من علاقاتنا الأسرية قيمتان عظيمتان من قيم الإسلام؛ قيمة المودة والرحمة بين الزوجين، وقيمة برّ الوالدين، فيخلص الواعظ إلى الإطاحة المستعجلة بالقيمة الأولى لصالح القيمة الثانية دون تلكّؤ أو تردد.
إن الواعظ هنا – في كثير من الأحيان- لا يجد في نفسه الحاجة للبحث والمدارسة والمقارنة؛ إذ كيف تقارن الزوجة بالأم؟ هذا في نظره محسوم دينيّاً، كما أن العرف المحافظ يميل بشدّة إلى هذه النتيجة لما فيها من إظهار معنى الرجولة وعدم السماع لجهة الزوجة مهما كانت شكواها.
الأم في الحقيقة ليست معصومة من الظلم والخطأ، والزوجة مثلها في هذا الشأن، والإسلام لا يمكن أن ينحاز لهذه أو تلك، فالظلم محرّم على الجميع؛ الأب والأم والزوج والزوجة والابن والبنت، ” يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا”. والإسلام لا يمنح صكاً مسبقاً بالبراءة، بل كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون، وحاجة الأب أو الأم للاعتراف بالخطأ والتوبة لا تختلف عن حاجة الآخرين.
كنت أحاول الإصلاح مع بعض الناس للحيلولة دون الوصول إلى الطلاق، وقد رأيت من الزوج حبّاً شديداً لزوجته وثقة كبيرة بها وبأخلاقها ومواقفها؛ لكنه يهمّ بطلاقها إرضاء لأمّه، فقلت له: إنك بهذا التصرّف تظلم نفسك، وتظلم زوجتك، وتظلم أمّك أيضاً. قال: فهمت الأولى والثانية ولم أفهم الثالثة، فقلت له: إن أمك ستتحمّل إثماً كبيراً وأنت ستعينها على هذا الإثم من حيث تريد برّها .
لقد أوحى بعض الوعّاظ إلى الآباء والأمهات أنهم في حِلّ تجاه زوجات أبنائهم، وأن الزوج عليه أن يسمع لهم ولو كان في كلامهم الغيبة والنميمة والظلم والبهتان.
إن العقوق حالة خطيرة يجب أن تعالج بمنهج علمي مدروس، وليس بمزاجية طائشة، وأفضل طرق العلاج تقديم النموذج المقنع الذي يحفظ حقوق الآباء والأمهات كما يحفظ حقوق الزوجات والأبناء والبنات، ويقيم ميزان الحق والعدل بين الناس كل الناس مع ترسيخ قيم المودة والرحمة والحب والاحترام، وليس بمقابلة الخطأ بالخطأ، ومعالجة الظلم بالظلم.

المصدر: شبكة الالوكة

الداعية التربوي

0

المولد والنشأة

ولد عام 1955 في مدينة الرمادي مركز محافظة الانبار، وسط عائلة محافظة ومتعلمة، فنشأ شاباً مستقيما محبوبا بين اهله وجيرانه واصدقائه، يحمل من الصفات والاخلاق الحميدة ما جعله محترما ذا قدر وهيبة بين الناس.
اكمل دراسته الابتدائية والثانوية والاعدادية في مسقط راسه، وتخرج من كلية التربية- جامعة بغداد- قسم الفيزياء في عام 1978 وبعد ذلك مباشرة عمل مدرسا للفيزياء لمدة 25 عاماً امتازت سنوات خدمته باخلاصه في عمله ودقته في مهنته يشهد بذلك كل من كان معه من زملاءه المدرسين وطلابه، وتخرج على يديه آلاف الطلبة الذين يحملون الان شهادات علمية رفيعة كما ويحملون له ذكريات وبصمات للخير كان يتركها في كل مدرسة دخل فيها.

طريق الدعوة
ان انضمامه للحركة الاسلامية لم تنشأ عنده الا منتصف السبعينات في المرحلة الجامعية حين بدأ باهله واقاربه ثم انشأ في بيته وبجهود ذاتية مكتبة اسلامية وعلمية، فيها ما هو مقروء ومسموع وسماها ( مكتبة الدعوة ) يعرفها كل من دخل بيته. وهكذا جعل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من اهم اولوياته راجيا بذلك رضا الله عز وجل وتحقيق معنى (وشاب نشأ في طاعة الله )، واجه الشهيد يرحمه الله تعالى كما يواجه كل مسلم محب لدينه العديد من المضايقات والعوائق التي وقفت بوجهه ولكنه كان يقابلها بكثير من الصبر والجهاد، لانه كان يؤمن بحديث النبي صلى الله عليه وسلم والذي كان يردده كثيرا: ” يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر “. رواه الترمذي.

البيت المسلم
تزوج عام 1979 من عائلة معروفة بالالتزام والاخلاق والعلم، وانجب بفضل الله سبعة ابناء ( اربعة اولاد وثلاث بنات) شغلوا مكانة مهمة في كليات الطب والهندسة والتربية، وهم يفخرون بوالدهم الذي بذل من اجل تربيتهم وتعليمهم الغالي والنفيس فكان الاب المثالي الذي لم يبخل بشئ من اجل ان ينشأ ابناءه نشأة اسلامية صحيحة، فكان بحق قدوة لهم في الخير.

مواقف ومآثر
عندما وقع الاحتلال الامريكي للعراق كان الشهيد رحمه الله يتسلم راتبه الوظيفي بمقدار 400 دولار، وكان يعطي نصف المبلغ لانشطة دعوية، ولما ساله احد الاشخاص عن سر ذلك التبرع قال: اردت ان ابذل من مالي في سبيل الله عز وجل.
كما انتخب من قبل مدرسي اعدادية الرمادي للبنين عام 2003 كمدير لها، وهي ذاتها المدرسة التي عمل فيها اغلب سنوات خدمته، وفي بداية مباشرته بادارته المدرسة قام ببناء مسجد فيها، حيث تم الاحتفال بافتتاحه ورفع الاذان فيه في يوم 25/10/2003م.
وذات يوم اتصل به احد الاساتذة يخبره ان قوات الاحتلال خرجوا من مدرسة الرمادي المطورة وهي من اقدم المدارس كان فيها الامريكان وكان الشهيد قد اتصل بصديق اخر من المدرسين لغرض الحضور وانقاذ المدرسة من التدمير، فلما وصلوا الى هناك جاء بعض المسلحين يريدون هدم المدرسة وبعد نقاشهم اقنعوهم بضرورة الحفاظ على هذا الارث العلمي واستطاعوا بفضل الله ان يجنبوا هذا الصرح العلمي الدمار والخراب.

مع المساجد
ساهم في اعمار المساجد وكان له دور كبير في دورات تحفيظ القران الكريم الصيفية من حيث تجهيز المساجد بالمصاحف والجوائزللاساتذة والطلاب، ويوزع الكتب الدعوية وكذلك الكاسيت الاسلامي. وقد ساهم في مشروع ذبح الاضاحي وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين لسنوات عديدة وخاصة في سنوات الحصار.

مجلس المحافظة
تم انتخاب الحاج عبد الجبار من قبل مدرسي الانبار كممثل لهم في مجلس محافظة الانبار عضوا فيه بتاريخ 24/1/2004 ثم بعدها تم انتخابه لكفائته وامانته لمنصب رئيس مجلس محافظة الانبار وبقي شاغلا لذلك المناصب حتى استشهاده، وقد وظف منصبه في لخدمة المواطنين وسعى لاطلاق سراح المعتقلين الابرياء، حتى انه قام بالتوسط في الافراج عن احد المعتقلين عصر يوم استشهاده، وقام بمشروع توزيع المدافئ في فصل الشتاء على عوائل المعتقلين والشهداء والعوائل المتعففة، وساهم بدعم وتأسيس جريدة صدى الانبار والذي كان رئيس تحريرها حتى استشهاده رحمه الله، حيث كانت الجريدة تعنى بامور ابناء الانبار.

قصة استشهاده
في يوم الجمعة الموافق 17/3/2006 وقبل خروجه الى المسجد، اغتسل وتطيب وقرأ سورة الكهف واوصى ابناءه بقرائتها ثم خرج لصلاة الجمعة في مسجد حي الاندلس، وبعد انتهاء صلاة الجمعة خرج من المسجد، وقبيل وصوله لبيته اعترضه مسلحون مجهولون واطلقوا عليه الرصاص امام اولاده وامام المصلين حتى استشهد، راسما بدمه طريقه الى جنة الخلد باذن الله، وكان ذلك بعد فترة وجيزة من رجوعه من الحج ( 1426 هـ – 2006 م ) وقد شيع جثمانه جمع غفير من اهالي المدينة.

نسأل الله لك الدرجات العلى وانزلك الله منزلة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً.

أدب المناقشـــة

0

بقلم الدكتور عبد الكريم زيدان رحمه الله

هناك ادآب يجب على الشخص مراعاتها اثناء الكلام مع الغير ومناقشته له, وهذه الآداب بجملتها دعا اليها الاسلام او اشار اليها, أو هي مما تقتضيه قواعده واصوله, وهي بعد ذلك من معاني الاخلاق الاسلامية ولوازمها. و ليعلم المسلم انه مؤاخذ بما يقول ومحاسب عليه  او رب كلمة يقولها لا يلقي لها بالا تهوي به في النار, وفي الحديث الشريف (… وهل يكب الناس في النار على وجوههم الا حصاد السنتهم ) .

وبعد: فهذه بعض أداب الحديث والمناقشة, يحتاجها المسلم في علاقاته مع الآخرين ومجالسته لهم, وهي سهلة في القول صعبة في التطبيق, ولكن مع العزم على مراعاتها بعد الاستعانة بالله تصير ان شاء تعالى سهلة في التطبيق كما هي سهلة في القول والله المستعان والحمد لله.

فمن هذه الآداب:

1- عدم اكثار الكلام في المجالس, وليكن شعار المسلم ان يسمع اكثر مما يتكلم, لان كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب. جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ ( لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ) .

2- المسلم يسمع كثيراً من الاخبار والاقوال, فلا ينبغي ان يحدث الناس بكل ما سمع, فأن ذلك قد يجره الى الكذب, جاء في الحديث الشريف ( كفى بالمرء كذباً ان يحدث بكل ما سمع ) وتأويل ذلك انه يسمع الصدق والكذب فان حدث بكل ما سمع فقد كذب لأخباره بما لم يكن, هكذا فسر العلماء هذا الحديث الشريف.

3- ان يبتعد المسلم عن غيبة الاخرين, والغيبة كما جاءت في حديث رسول الله ﷺ ذكرك اخاك بما يكره, حتى وان كان ما تقوله موجودا فيه, اما اذا لم يكن ما تقوله عنه موجودا فيه فهذا هو البهتان كما جاء في الحديث. واذا كانت الغيبة منهيا عنها فسماعها كذلك, فينبغي للمسلم ان يسعى لتحويل حديث المغتابين الى حديث غيره هو أسلم لدينهم وانفع للسامعين.

4 – لا يجوز الفُحشَ في الكلام لا على وجه الجد ولا على وجه الهزل فأن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء كما جاء في حديث رسول الله ﷺ ومن البذاءة الطعن واللعن والسباب, زكل اولئك مكروه في ميزان الاسلام, جاء في الحديث الشريف: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء). وفي حديث اخر سباب المسلم فسق وقتاله كفر. والمنع من السباب يشمل الاموات كما يشمل الاحياء جاء في حديث رسول الله ﷺ (لا تسبوا الاموات فانهم قد افضوا الى ما قدموا .

5- الابتعاد عن المِرَاءَ والجِدال الذي يراد به الغلبة والاستعلاء على الاخرين, ولهذا كان تركه مطلوبا في الاسلام ومثابا عليه قال ﷺ (أنا زَعيم ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّة لِمَنْ تَركَ المِراءَ وإن محقاً).

6- يجب ان يكون النقاش بقصد كشف الحق واظهار الصواب, ولا يهم بعد ذلك ان ظهر الحق وانكشف الصواب من قبلك او من قبل الاخرين, فاذا فات هذا القصد في المناقشة كانت من الهوى وعبث الشيطان ومن الخير قطعهما حالا.

7- ليكن كلام المسلم واضحا بسيطا خاليا من التكلف والتطاول على الناس بكلامه, خالبا من التفاصح والتعظم بالكلام واظهار الفضل على الاخرين, والتكبر عليهم, جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ (وان ابغضكم الي وابعدكم مني يوم القبامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون).

8- ان يكون كلامه هادئا بَيِنّا مسموعاً للحاضرين ومفهوما عندهم فقد كان من شمائل النبي ﷺ انه اذا تكلم بكلمة اعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وكان فصلا يفهمه كل من يسمعه. وهذا يقتضي ان يبتعد المحدث عن الكلمات الغريبة غير المألوفة لدى السامعين ولا حاجة لها, وقد يفعل هذا رغبة منه في اظهار فضله أو اعلام الآخرين بقدرته على الكلام وبلاغته, وليس هذا بالمقصد السليم في موازين الاسلام.

9 – ان يثَبَتَ المسلم في كل ما يقول, فلا يلقي القول جزافا, قال تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) .

10- اذا كان مع اثنين فلا يختص بأحدهما فينّاجيه ويكلمه سرا بحيث لا يسمعه الثالث, أو يكلمه بلغة لا يفهمها الاخر, لان ذلك يوحش قلبه, قال ﷺ (اذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث ).

11- ان يترك الحديث عن الآمه ومشاكله واحزانه, فأن ذلك لا ينفعه, وهو من قبيل الشكوى الى الناس, وهو خلاف الادب القرآني, قال تعالى حكاية عن نبيه يعقوب عليه السلام, (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) وايضا فان للناس هموهم ومشاكلهم فلا يرغبون في سماع هموم الآخرين.

12- ليكن حديثك وجدالك بأسلوب هَيّن ليْن خال من الايذاء والتحقير والاستهزاء بالآخرين. فقد أمر الله تعالى نبيه موسى واخاه هاون, وقد ارسلهما الى فرعون (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ).

13- لا تقاطع غيرك اذا تكلم واصغ الى كلامه حتى يفرغ منه, ثم عقب عليه بما ينفع ويفيد ان كان في التعقيب حاجة او فائدة.

14- لا ترد على الآخرين كلامهم كله اذا رأيت فيه خطأ أو باطلا فان الصواب لا يرد اذا اقترن به خطأ, والحق لا يرد اذا اقترن به باطل, وانما يجب قبول الصواب والحق ورد الخطأ والباطل. ولهذا ذم الله تعالى اليهود والنصارى لرد كل طائفة ما عند الاخرى من حق وباطل. قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ).

15- ليكن حديثك ذا مغزى ومعنى وهدف نبيل تقصده لا ان يكون لمجرد الكلام واضاعة الوقت.

16- تجنب الأيمَان والقسم بالله في حديثك, واجعل السامع يصدقك بلا يمين بما تعوده من قول الصدق وذكر الحقائق.

17- لا تغضب , واحمل نفسك على ان تكظم غضبها, ولا تتكلم وانت غضبان, ولا تجادل وانت غضبان, فان الغضب يذهب بالحجة ويفلت اللسان من عقاله فيأتي بما يشين.

 

المصدر: الموقع الشخصي

كيــف نصنـع الــوعي ؟

0

بقلم: سرور الحنيان .

هو النور الذي يشعُ في عقولنا لتتضح لنا صور الأشياء وحقيقتها الخفية، يعرفه جيدًا المنجزون، ويغيب عن المنغمسين في سطحية الأشياء، وتوافهها. إنَّه الوعي الذي يُهْدِيه الله لمن بذل أسباب العلم، وعكف على أوراقه (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تذْكِرَةً وَتَعِيهَآ أُذُنٌ واعِيَةٌ)، الوعي مرحلة متقدمة من الإدراك عَرَفه العلماء حينما أوغلوا في أعماق العقل، ورصدوا سلوكات الإنسان، ومظاهر تفوقه. والوعي كما عرَّفه معجم (لاروس) هو: “إدراكنا تختلف درجة وضوحه، ومن شأنه تعريفنا بذاتنا»، ونلمح هذا في مقولة سقراط الشهيرة: «اعرف نفسك بنفسك»، ومعرفة النفس أساس الوعي، التي ينطلق بعدها الإنسان لمعرفة ما حوله معرفة حقيقية.

ويعيش كثيرٌ من الناس في دائرة المعرفة دون الوعي، وشتان ما بين المعرفة، والوعي! فالمعرفة هي الفهم النظري للأشياء؛ فالعارف دون الواعي يأخذ المعلومات، والأفكار، والقيم كما هي، ولا يُجرد عقله في الغالب من التصورات السابقة؛ فينطلق منها تاركًا عقله بعيدًا عن التجربة، أما الواعي فتتشكل لديه المعلومات، ويبدأ في الغوص في أعماقها، ومعرفة ما وراءها، والمعرفة التي تأتي ذاتية وعن قناعة بدهيًا تنتقل إلى تطبيق، وهذا ما يُميز الوعي عن المعرفة، ولذلك لو قارنا بين طالبين في فصل واحد وعلى مستوى واحد من القدرات، نجد أن كليهما يعرف أن النجاح بتفوق نتيجة إيجابية، لكن الواعي يُحيط بمُحصلة النجاح كلها، ويعلم أن هذه النتيجة وراءها مُخرجات عدة، تُؤدي إلى تراكم العلم الذي يُؤجر عليه، ويبني شخصيته، ويجعلها ناجحةً، ومُقَدَرةً في مجتمعها لها إنجازاتها العلمية والعملية.

والوعي يُعزز قيمة ذاتك، ولا ترى أن هناك من هو أفضل منك إلا ببذل الجهد، وليس بصور المجتمع الخادعة. وإذا انخفض مستوى الوعي أصبح الإنسان أقل تحكمًا في ذاته، مُجرد ردة فعل لمن حوله، وأداة يوظفها الآخرون لمصالحهم. والانتقال من مرحلة المعرفة إلى مرحلة الوعي يتطلب جهدًا ذاتيًا يقوم به الفرد حتى يتجاوز الصور الذهنية التي تُحيط به، وينطلق إلى فضاء رحب يتأسس أولًا بالقراءة، ويعتمد على الاطلاع، والتجربة، والانطباع الذاتي، والإبحار فيما وراء المعلومة بسلاح الأسئلة، والتحليل، والاستنباط، والتأمل، وقد يحصل الوعي من خلال (الصدمة المعرفية)، كمن ينتقل إلى بيئات جديدة أكثر علمًا ومعرفة.

وبالوعي لا يخدعك العقل الجمعي، أو ما يُزيفه الإعلام كما يحصل في دعايات التسويق، التي يقوم عليها خبراء في هذا المجال، يُوهمون الناس بارتفاع قيم بعض المستهلكات لتسويقها.

إن قلة الوعي لدى المجتمعات تسهم في تخلفها؛ فتعيش قابعة في دائرة الجهل تُسيطر عليها القوى الأكثر منها وعيًا.

وليس للمجتمعات سبيل عن الوعي حتى تنهض بنفسها، وتعتمد على قواها الداخلية، وهذا يحتاج إلى تغيير ثقافتها في قبول المعلومة، والتعامل معها بشكل واعٍ، وغير تقليدي.

إن الوعي كفيل بتوجيه بوصلة المجتمع من السير خلف النمطية إلى السير خلف عقل حر يعتمد على العلم، والتجربة الذاتية لا على عقول الآباء، والأجداد بل قالوا (إنّا وجدنا آباءَنا على أمةٍ وإنّا على آثارهم مُهتدون).

المصدر: موقع سرور الحنيان .

الطبيب الداعية صاحب الهمة والروحانية العالية

0

ولد في مدينة الموصل عام 1948، في منطقة باب جديدة، وهو احد احياء مدينة  الموصل القديمة، لعائلة اشتهرت بالثقافة والمواقف الوطنية الكثيرة، فوالده المرحوم إبراهيم الجلبي، صاحب جريدة فتى العراق الأشهر في مدينة الموصل، وقد عمل الشهيد وهو في سن العاشرة موزعا للصحف على دراجته الهوائية، ثم عمل فترة من شبابه محررا في صفحتها الإسلامية. وهو منذ صغره كان على موعد مع الشهادة ففي الحادية عشر من عمره استشهد اخوه الدكتور سعد الدين الجلبي اثناء ثورة الشواف، وقد كاد هو وافراد عائلته جميعهم ان يتم اعدامهم في تلك الاحداث لولا تدخل العناية الالهية في اخر لحظة.

تخرج من الإعدادية الشرقية عام 1966، ملتحقا بكلية الطب في جامعة الموصل التي تخرج منها سنة 1974، ومنذ ذلك الحين وهو يمارس عمله الانساني في خدمة المرضى والمصابين بشخصية الداعية الذي يحتسب الاجر عند الله عز وجل.

طريق الدعوة

عرف الشهيد بتوجهه الإسلامي منذ صغره، فقد انتمى للحركة الاسلامية وهو في الصف الأول المتوسط، وكان من الناشطين في العمل الإسلامي الطلابي في الإعدادية والكلية،  ويشارك في التظاهرات التي تتبناها الحركة الاسلامية ويتعرض بعض الاحيان لملاحقة الاجهزة الامنية, وذات يوم القي القبض عليه مع اخرين له وهم يعلقون بعض الملصقات في المدينة. واثناء اقتيادهم الى مركز الشرطة قام ببلع الورقة التي كانت بحوزته.

يقول عنه احد الاخوة الذين عاشوا معه في بغداد ( صاحب روحانية وصاحب همة كبيرة وكان له اداء طيب في الدعوة الى الله بدار الاطباء ولديه التزام قل نظيره بدفع سهم الدعوة حتى اكمل فترة الاقامة في العاصمة وانتقل الى الناصرية، في ذهابه وايابه يمر علينا ببغداد ويتابع امر الدعوة فهو من المميزين في هذا الجانب).

الطبيب العامل

نشط الدكتور اديب رحمه الله في العمل الخيري والطبي، خاصة بعد حرب الخليج الأولى، حيث أسس أول عيادة طبية خيرية في الموصل وذلك في جامع ذي النورين، خلال الأيام الأولى للحرب، وأمّن الدواء الضروري، وساهم في تأسيس العديد من العيادات الخيرية التي أصبحت فيما بعد ظاهرة شائعة دفعت السلطات الحكومية إلى الاهتمام بها ومتابعتها.

كما نشط في العمل الإغاثي وذلك من خلال عمله في الجمعية الخيرية التي قدمت العديد من المساعدات لاسيما الطبية بعد سنة 2003، وقد ساهم في تأسيس الجمعية الطبية الإسلامية ثم ترأسها وبقي رئيسا لها حتى استشهاده رحمه الله.

الطبيب الداعية اهتم رحمه الله في العناية بتاسيس بيت اسلامي يكون نواة صالحة في مجتمع يسير وفق منهج الله سبحانه، فحرص كل الحرص على تنشئتهم تنشئة إسلامية راسخة، إذ كان يصطحب أولاده إلى المسجد وهم صغار لم يبلغوا سن التعلم، وكان يجلب له من يعلمهم القرآن من الشيوخ والأساتذة، أو يرسلهم إلى حيث يتلقون العلم الشرعي من المشايخ؛ وقد أكمل ثلاثة من أولاده وزوجته حفظ القرآن الكريم، وكان فرحه غامرا حين علم بإكمال أحد أولاده حفظ كتاب الله، فما إن سمع الخبر توجه إلى الله عز وجل بصلاة ركعتين جماعة مع أسرته شكرا له على هذه النعمة العظيمة، وأقام حفلا دعا فيه مصلي المسجد وجيرانه وإخوانه رغم ضيق ذات اليد الذي قاساه خلال فترة الحصار الاقتصادي.

الطبيب الانسان

كان منزل الدكتور رحمه الله مفتوحا لكل زائر او مسافر قريبا او بعيدا، ولديه مكان مخصص للضيوف وفيه كل مستلزمات الراحة، وقد نزلت في ضيافة اولاده اثناء زيارتي للموصل لاكمال مضامين هذا الكتاب، وقد احسست اني بين اهلي واحبابي جزاهم الله عني خير الجزاء.

ولما حصلت الحرب على العراق عام 1991 فتح منزله للكثير من اقربائه الفارين من شدة القصف على العاصمة بغداد، وبقي في خدمتهم حتى انتهاء الحرب وعودتهم سالمين الى منازلهم.

ولاحساسه بالمسؤولية تجاه اهالي مدينته في فترة الحرب وبداية الحصار جعلته يحرص على الذهاب الى المركز الصحي بالدراجة الهوائية لعدم وجود وقود للسيارات قاطعا قرابة 10 كم يوميا في الذهاب والاياب بالرغم من ان معظم الاطباء كانوا يمتنعون عن الدوام لعدم وجود وسائل للنقل.

وصيته الى اهله

كتب في وصيته الى اسرته قائلا ( احمد الله اولا واخرا ان رزقني زوجة صالحة واولادا انقياء بررة تشفعون لي يوم القيامة ان شاء الله، فان الذنوب قد اثقلتني خاصة انني لم اعش في بيت اسلامي في مقتبل عمري كالذي انعم الله به عليكم فكنتم ذكرا طيبا يعينني اذا اصبت ويقومني اذا اخطأت ويذكرني اذا نسيت فجزاكم الله عني خيرا وجمعني واياكم في فردوسه الاعلى بعد طول حياة في طاعته).

قالوا عنه

يقول الاستاذ غانم حمودات ( الاخ اديب نشا نشاة صالحة، وعهدي به طالبا سنة 1964 او 1965 وفي وقتها كانت تبدو عليه ما يتصف به من ادب وخلق، ثم انقطع العهد به الى ان دخل كلية الطب وتخرج طبيبا واشتغل على ما اتذكر فترة في الناصرية ، ثم تخصص في طب الاذن والحنجرة، واحال نفسه على التقاعد وما كان يبدو منه في تعامله مع المرضى الا الشفقة والاهتمام ببراءة المرضى مما كان يؤلمهم وكثيرا ما كان يابي ان يتسلم اجرة العيادة، وما سمعت عنه الا الخير على كثرة ترددي عليه واتصالي انا بالناس، وكان الدين عزيزا عليه، ولحسن سمعته بين الاطباء انتخب رئيسا للجمعية الطبية الاسلامية، ولم يطل العهد فيها، اذ استشهد رحمه الله وهو خارج من عيادته، ومما يحكيه ان الدكتور وجيه زين العابدين يرحمه الله جعل احدى كريماته زوجة له وكان يقول ،، انا اعطيت ابنتي لشاب مسلم،، ).

قصة استشهاده

بدأ الوضع الامني يسوء في مدينة الموصل شيئا فشيئا مع مطلع عام 2006 وكانت موجة التهديدات تطال رجال الحركة الاسلامية وكوادرها، وكان التهديد قد وصل الى الدكتور اديب، ولكن قدر الله ان يكرمه بالشهادة، ففي يوم 12/5/2007 وعند السابعة مساء اثناء عودته من عيادته في حي المعارف استهدفه مسلح مجهول بثلاث رصاصات فارق على اثرها الحياة والتحقت روحه باذن ربها في مكان وصفه سبحانه بالقول :” ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ” ( فصلت 30 ).

ويتحدث احد اعضاء الهئية الادارية للجمعية الطبية الاسلامية عن رؤيا حسنة للدكتور اديب فيقول: (سمعت بخبر استشهاد الدكتور اديب وفي الليلة ذاتها رايت في المنام الدكتور رحمه الله وقد راني مهموما فقال لي لماذا انت مهموم؟ انا قبل ان تصل الرصاصة الى هنا – واشار الى عنقه تحت اذنه – شممت رائحة الجنة).

سـعـــة الصــدر

0

بقلم/ د. سعد الله المحمدي

سَعة الصَّدْر على الناس، والتغاضي عن هَفواتهم، والعفو عنهم، وعدم الحِقْد عليهم من صفات المؤمنين الذين: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحشر: 10].

كما أن سَعَة الصَّدْر وسلامة القلب، ونزع فتيل الحسد والعداوة، والغِلِّ والضَّغينة منه، من صفات أهل الجنة؛ قال تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ [الحجر: 47]، فتبقى قلوبُهم سالِمةً من كل دَغَلٍ وحسدٍ، متصافيةً متحابَّةً، متجانسةً متآخيةً.

ومن الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان أن سَعة الصَّدْر منحةٌ إلهية، ورحمةٌ ربَّانية، وعنوان على رجاحة العقل، ودليل على كمال المُروءة والرجولة، فلا يَغضب صاحبها لأتفه الأسباب، ولا يُعكِّر صفوَ حياته أدنى شيءٍ، ولا يجعل من “الحبَّة قُبَّةً” – كما يقول المثل الشعبي – ولا يحمل الكرة الأرضية على رأسه في كل شيءٍ يَحدُث، أو كل كلام يُقال، بل يكون كما قال الشاعر:

كُنْ كالنَّخِيل عن الأحْقادِ مُرْتَفِعًا *** يُرْمَى بصَخْرٍ فيُعْطي أطْيَبَ الثَّمَرِ

كما أن صاحب الصَّدر الواسع لا ينتقم لنفسه من الآخرين، بل يُقابل الإساءة بالإحسان، وسُوءَ تصرُّف الآخرين بعقلانية وحِكمةٍ، وتعقُّل وسَعةِ أُفقٍ، ويدفع بالتي هي أحسن، ويترفَّع عن حضيض المجادلات العقيمة، وسفاسفِ الأمور بعفَّة اللسان، وطَيِّبِ الكلم، وكريم الأخلاق، ويتغاضى عن هفوات الآخرين وزَلَّاتهم، ويَغُضُّ الطَّرْف عن أخطائهم، ويَقبَلُ أعذارَهم، ويَصِل الرَّحِم وإن قَطَعَه الآخرون، ويُحْسِن وإن أساءَ إليه الآخرون متمثِّلًا بقول المقنع الكندي:

ولا أَحْمِلُ الحِقْدَ القديمَ عليهمُ *** وليسَ رئيسُ القومِ مَنْ يَحمِل الحِقْدَا

كما أن صاحب الصدر الواسع لا يتأفَّف مِن حالته المادية، ولا يتضجَّر من الأسعار، ورفع الدَّعْم عن السلع، ولا يَحبس الأنفاس لخبرٍ سَمِعه مِن فلان أو علان، ولا يَهتمُّ بنَقْدٍ وكلامٍ قِيلَ فيه هنا وهناك، بل يسمح ويتسامح، ويُوكِل أمورَه إلى الله تعالى ويتوكَّل عليه: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3].

ونظرًا لأهمية سَعة الصدر وانشراحه في الدعوة إلى الله تعالى، فقد سأل موسى عليه السلام ربَّه قائلًا: ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه: 25-28]؛ أي: وسِّعه وأفسِحْه؛ لأَتحمَّل الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدَّر قلبي بذلك، ولا يَضيق صدري، فإن الصدر إذا ضاق، لم يصلُح صاحبُه لهداية الخَلْق ودعوتهم؛ كما قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره للآية الكريمة.

ولقد قرن الله تعالى نعمة شرح الصدر بنعمتين أُخْريين، وهما: وَضْعُ الوِزْر، ورَفْع الذِّكر؛ حيث يقول مُمتنًّا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي أعطاه ذِروةَ الكمال من هذه الصفات الثلاثة: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 1 -4] قال ابن كثير رحمه الله: يعني: “أَمَا شرَحنا لك صدرَك؛ أي: نوَّرناه وجعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا؛ كقوله: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ [الأنعام: 125]، وكما شرَح الله صدرَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، كذلك جعل شرعَه فسيحًا واسِعًا سَمْحًا سهلًا، لا حرجَ فيه، ولا إصْرَ ولا ضِيْقَ”.

فسَعة الصدر رحمةٌ ونِعْمةٌ، وسبب أُلْفةٍ ومحبَّةٍ في قلوب الناس، وصفةٌ لا يتخلَّق بها إلا العظماء الذين لا تَحمِل قلوبُهم موجاتِ الشَّحْناء والكراهية، والبُغْض والحسد والتحريش، والوقيعة بين الناس، فالقلب الطيب يسَعُ الدنيا، “وعندما يكون القلب طيبًا، يُمكن تصحيح أيِّ شيء”؛ كما يقول المؤرخ الفرنسي رينيه غروسيه.

يقول الشاعر:   طَهِّرْ فؤادَك مِنْ حِقْدٍ ومِنْ دَغَلٍ *** فشَرُّ داءٍ يضرُّ القَلْبَ داؤهما

 

المصدر: شبكة الألوكة

في ذكرى الهجرة.. تجاوز للمحنة ومغادرة للضعف والأذى

0

تتقدم حركة العدل والإحسان بخالص التهنئة للشعب العراقي خاصّة وللشعوب العربية والإسلامية عامة بمناسبة حلول العام الهجري الجديد، وتدعو الله أن يعيد المناسبة بمزيد من اليمن والأمن والاستقرار والرفاهية.

تمر علينا مناسبة الهجرة هذا العام والعراق ما زال يئنّ من جراحاته النازفة من سنين طويلة وما زال يعاني من إنهاك الحروب وفقدان الأمن وتهديد التعايش السلمي بين مكونات هذا الشعب الذي صبر كثيراً وينتظر حاضراً ومستقبلاً أفضل له ولأجياله القادمة.

إن ذكرى الهجرة تجعلنا مفعمين بالأمل أننا سنتجاوز المحنة ونغادر الضعف والأذى، كما تجاوزه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح الله عز وجل له بالهجرة حالا جديدة ووضعا جديدا وانتصارات جديدة على مستوى الفرد والاسرة والمجتمع والدولة.

وفي هذه المناسبة تدعو حركة العدل والإحسان كل المسلمين الصادقين في هذا البلد، أن يتعالوا على جراحاتهم ويتساموا على خلافاتهم فنحن في مركب واحد والموج لا يختار زاوية في السفينة فيغرقها فقط، فالجميع امام التحدي والخطر، وأن يكونوا يدا واحدة على من سواهم ممن يريد بهم وببلدهم وبحاضرهم ومستقبلهم شرا.

كل عام وأنتم بخير … وإلى مزيد من العمل والتقدم …

 

حركة العدل والاحسان

1/ محرم/ 1440 هـ

11/ ايلول/2018 م