الرئيسية بلوق الصفحة 47

أبو أسامة … المعطاء الهمام

0

المولد والنشأة:

ولد عام 1943 م في منطقة حويجة الكرابلة وسط الفرات التي تبعد كيلو متر غرب مدينة راوة، ومنذ صغره عرف عنه التزامه وتدينه وحسن خلقه، مع سعي حثيث نحو فعل الخيرات، وتواصل مع اهل الدعوة في كل مكان من ارض العراق.

اكمل الابتدائية والثانوية في محافظة الانبار، ونال شهادة البكالوريوس من جامعة بغداد – كلية الاداب – قسم الدراسات الاسلامية عام 1976 م وقد حصل على مقعد لدراسة الماجستير في مكة المكرمة، الا ان السلطات الامنية حينها حالت دون سفره الى السعودية واكمال دراسته هناك، وفي السبعينات من القرن الماضي حصل على الاجازة العلمية في الخطابة من الشيخ شاكر البدري رحمه الله وبالتحديد سنة 1978 م.

تزوج عام 1963 م وله من الذرية تسعة اولاد، اربعة ابناء وخمسة بنات، وقد استطاع بفضل الله تعالى ان ينشئهم على طاعة الله سبحانه والعمل بتعاليم دينه الحنيف، وقد مضى ابنه البكر ( اسامة ) على خطى الشهداء كذلك، حيث استهدفته فئة مجرمة لا يروق لها ان ترى دعوة الله تعم الحياة.

وصية الشهادة .. مبكرا ً :

انعم الله تعالى على الحاج عبد الغفور بنعمة تلبية نداء ابراهيم الخليل عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام، فذهب الى الديار المقدسة سبع مرات للحج، اولها كان سنة 1967 م وكان في طريقه الى مكة قد عُرج الى ارض الاسراء والمعراج ارض فلسطين الحبيبة وقد صلى في المسجد الاقصى المبارك وذلك قبل احتلال يهود للقدس الشريف باشهر قليلة، ومما يذكره في تلك السفرة انه التقى بالداعية الاسلامي الكبير الاستاذ محمد قطب رحمه الله وبعد ان تحدثا قليلاً قال له الاستاذ محمد : احرص يا بني على الشهادة !!.

ولعلها اقدار الخير حين تجتمع لنفوس اهل الايمان، فوصية الشهادة جاءته وهو يسعى للصلاة في اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقدر الله باذن الله جاءه وهو يحث الخطى للصلاة في مسجد الامام الشافعي بمدينته بين اهله واحبابه.

طريق الدعوة :

انضم لصفوف الحركة الاسلامية عام 1960 م وهو طالب في دار المعلمين في الرمادي، تنقل في وظيفته بين عدة مناطق كان ابرزها ناحية الخالدية قرب الحبانية وقضاء الرطبة وآل الامر به في نهاية المطاف بمدينة الرمادي منذ عام 1975 م وذلك من خلال نشاطه الدعوي الهائل وأثّر في نفوس معظم طلابه وزملائه ومعارفه واقربائه، ويشهد المئات من طلبته انه كان سبب التزامهم الديني وتعلمهم الصلاة والاخلاق الفاضلة.

وتعاونوا على البر والتقوى :

يذكر احد الاخوة وهو الاخ ابو بكر الراوي انه في سنة 1991 م اراد الذهاب الى الحج ولم يكن لديه المال الكافي فقرر بيع سيارته لأجل ذلك، وحين علم الحاج عبد الغفور بذلك أصرّ عليه بعدم بيع سيارته واقراضه المال وان يقوم بسداده متى تيسر له، وفعلاً أبقى السيارة عنده وذهب الى الحج بالمال الذي اقرضه له الحاج عبد الغفور رحمه الله تعالى.

كما اشتهر بتسامحه عن الكثير من الديون التي كانت له على الاخرين بسبب عسر المديونين، ومساهمته الفاعلة بتوزيع المال من جيبه الخاص وما تيسر له من المحسنين على العوائل المتعففة والفقيرة والتواصل معها في الرمادي وغيرها من المناطق الاخرى.

دوره بعد الاحتلال :

اصيب شهيدنا الهمام كباقي العراقيين النجباء بمصيبة الاحتلال الامريكي للبلد، وبالرغم من عدم رضاه عن سياسات الحزب الحاكم قبل الاحتلال الا ان ذلك لم يمنعه من استنكاره لقيام امريكا باحتلال العراق ظلماً وعدواناً، لأن البلد للملايين من العراقيين وليس لشخص او مجموعة اشخاص.

قصة استشهاده :

بعد الانتخابات البرلمانية في شهر كانون الاول عام 2005 م وصلت التهديدات الى الذروة، وفعلاً تم للارهاب ما اراد من استهداف الحاج ابا اسامة، ولكن اسكات صوت الحق والدعوة لن يتوقف وستظل اجيال الحركة الاسلامية تصدح به في الافاق الى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين.

فقد اغتالته يد الاجرام بعد شهر من اجراء الانتخابات، وبالتحديد يوم السبت الموافق 14/1/2006م عندما كان متوجهاً لأن يؤم المصلين لصلاة الظهر بمسجد الامام الشافعي والذي اعتلى منبره لاول مرة عام 1979 م تطوعاً آنذاك، فترجلت عصابة من المجرمين ليمطروه بوابل من الرصاص استقرت في جسده ليرتفع الى الله تعالى وباذنه شهيداً وهو على بعد عشرة امتار من باب المسجد.

وجاءت ساعة المنية لتسجل صفحة في سجل المجد لرجال الحركة الاسلامية في ثباتهم وتضحياتهم لتكون كلمة الله هي العليا ولينصرن الله من ينصره، ان الله قوي عزيز.

تغمد الله شهيدنا بواسع رحمته، واسكنه فسيح جناته …. آمين

تصريح صحفي : بمناسبة عـيـد الـمـعـلــم

0

مع دخول شهر آذار من كل عام ، يستذكر العالم بأسره المعلمين والمدرسين، وكل من حمل راية العِلم، ونذر نفسه لخدمة الإنسانية، بإخراجها من ظلمةِ الجهْل والأمية والتخلف إلى نور العلم والمعرفة والتحضر.

المعلم هو ركيزة بناء الأمم والحضارات ومجد الشعوب، لذلك يضع الله – عز وجل – هذه الوظيفة في قمة أولويات الأنبياء والرسل.

قال تعالى : ” هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ” . (سورة الجمعة – آية 2).

في هذا اليوم الأغر والمناسبة العظيمة تعرِب حركة العدل والإحسان عن عظيم تقديرها وأصدق تحياتها للمعلم العراقي الذي ضرب أروع الأمثلة في التضحية ونكران الذات والتفاني لتعليم وتربية أبنائنا في سوح المدارس العراقية، بل إن البعض منهم قلَ أن يجود الزمان بمثلهم علماً وحرصاً ومثابرةً وتمسكاً بروح الرسالة الخالدة التي يحملها معلمونا ومدرسونا الأفاضل، لقد فطِنت الأمم المتقدمة الى فضل المعلم فوضعته في مكانه اللائق بهذا ( كاد ان يكون رسولا ).

فعندما سأُلَ عظيم أحدى الدول الكبرى عن سبب تقدم دولته في زمن قصير، أجاب: (السبب: أننا منحنا المعلم حصانة الدبلوماسي، وراتب الوزير).

وكذلك يجب أن نجعل مواقع معلمينا ومدرسينا في المجتمع وعندئذ يمكن أن نتطلع الى المستقبل الزاهر لبلدنا الجريح العراق.

 

حركة العدل والإحسان في العراق

6 / رجب الخير / 1441هـ

1 / آذار / 2020 م

حركة العدل والاحسان تنعى الاستاذ الدكتور محمد عمارة

0

” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً “

فارس يترجل … وحارس يترحل

بقلوب يعمرها اليقين بقضاء الله وقدره تلقينا نبأ إخلاء سبيلك ، وبنفوس يغمرها الحزن والصبر الجميل فاجأتَنا برحيلك .. الى رحاب الله الواسعة ، فأنعم عنده بمستقرك ومقيلك .

  لقد غادرت يا رجل الرجال         وأسرجت المنون بلا سؤال

  فأججت الأسى في كل قلب          وجارحة ومــا أبقيت سـالي

بهذه الكلمات الصادقة تنعى حركة العدل والإحسان في العراق فقيد الأمة الإسلامية العلامة الكبير والمفكر القدير الدكتور محمد عمارة – تغمده الله بواسع رحمته .. إنه ( الفارس اليقظ المرابط على ثغور الإسلام ) – كما وصفه الشيخ الجليل القرضاوي – حفظه الله .. ذلك الوصف المستحق باقتدار، بعد رحلة عطاء مباركة طويلة ، سطر خلالها أكثر من مائتين من الكتب والبحوث والمحاضرات، وخاض غمار المئات من حلقات النقاش والمناظرات ، شكلت مشروعا اسلاميا متكاملا في العقيدة والشريعة والتاريخ والفكر والحضارة.. وبما عرف به من ايمانه ودفاعه عن وحدة الأمة وتدعيم شرعيتها بمنهج وسطي معتدل ، ومساهمته في ترشيد العقل ووضع قواعد التفكير الحر المتوازن ، وعنايته البالغة في الرد على الشبهات حول الأصول والثوابت ، بلّغ بها الدعوة وأقام الحجة بأوضح بيان.

إن مسيرته العلمية وسيرته الفكرية تعد مثالا للأجيال ، وتصريحا بأن الاسلام هو مصنع الأبطال ، وأن الدعوة الى الله هي مختبر الرجال ، وأن مستقبل الأمة الزاهر يستمد جذوره من تاريخها المجيد، ويستند الى زاد علمي وافر وتراث فكري متجدد.. فحريّ بنا الاسترشاد بمسيرته ومنهجه ، وجهده وجهاده ، فذلك وجه من وجوه تكريم علماء الامة وقاماتها العلمية.

رحم الله العلامة المفكر محمد عمارة ، رجل المواقف الشجاعة والكلمة الجريئة الصادقة ، والانتصار للحق وقضايا الأمة المصيرية ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، فقد صدع ببيان للناس في وقت كان التنكيل مصير كل من ينطق بكلمة الحق ، وخاض معارك فكرية للدفاع عن الامة ومصالحها في كل ميدان.

رعى الله الفقيد بكل خير                وأسكنه فسيحات الظلال

حركة العدل والإحسان في العراق

6 / رجب الخير / 1441 هـ

1 / آذار / 2020 م

 

أبو عبد الله … الداعية الصبور

0

المولد والنشأة :

ولد عام 1971 م في مدينة المحمودية جنوب العاصمة بغداد، تميّز بحبه للدراسة فيها، وكان يمارس نشاطه الرياضي من خلال لعبة كرة القدم، يحبه كل من يعرفه، تميز باللطف والرقة، حيث كان قلبه رحيماً يعطف على والديه ويحترمهم وهم يبادلانه الحب نفسه.

كانت علاقاته – بالرغم من صغر سنّه – طيبة الى حد انه يسدي النصح والارشاد لهم من خلال مشاركتهم في اتخاذ قراراتهم، حيث كان صادقاً لا يعرف الغش والكذب، كان مؤمناً متديناً يحب العمل والكسب الحلال، كان يعمل في العطلة الصيفية من اجل توفير مستلزمات الدراسة.

اكمل جميع مراحل الدراسة الاولية بمدينته، حيث درس الابتدائية بمدرسة الفرات، والمتوسطة بمدرسة الزهاوي، تخرج منها ودخل في اعدادية المحمودية للبنين الفرع العلمي، ثم التحق بكلية العلوم/ قسم علوم الحياة بجامعة بغداد، الا أنه ترك الدراسة فيها والتحق بالجامعة الاسلامية حباً بتعلم العلوم الشرعية.

نال شهادة الدكتوراه في اصول الدين الاسلامي – تخصص حديث نبوي عام 2003 م ، واصبح استاذاً في الجامعة الاسلامية قسم الحديث.

طريق الدعوة :

دخل الشهيد ضمن صفوف الحركة الاسلامية عام 1995 م متأثراً بشيخه الشهيد اياد العزي رحمه الله، وقد جعل المسجد منطلقاً لدعوته وتأثيره بين الاخرين، و كانت له جهود تكللت في العمل الدعوي كإمام وخطيب جامع ناجي الخضري في الكرادة من خلال الخطب والمحاضرات ودورات القران، وله دور بارز في متابعة الايتام، حيث جمع اكثر تخصيصات ورواتب من الف يتيم من تبرعات الجمعيات الخيرية لهم.

كان له دور كبير في تثقيف المصلين في شهر رمضان الكريم والمناسبات الاسلامية، يجوب فيها مساجد بغداد يرشد المصلين ويحثهم على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر والمصابرة والمرابطة.

البيت المسلم :

رزقه الله زوجة صالحة عام 2002 م ، وعنده ثلاثة ابناء ( عبد الله ، ريان ، عمر )، ومن اللطائف ان زوجته كثيراً ما يسألونها عن اسم ( ريان ) وان الشيخ قد سماها على اسم باب من ابواب الجنة.

تحدثنا زوجته عنه فتقول : ( عشت مع الشيخ رحمه الله اربع سنوات ما رأيت منه الا يرضي الله سبحانه وتعالى، كان رحيماً رؤوفاً كريماً معي، ويصل ارحامي، يحبهم ويحترمهم، وهم يبادلونه الشعور نفسه، وكان متعاوناً معي ويلعب مع الاولاد ويطعمهم حتى يلهيهم عني لانجز اعمال البيت).

وبرّاً بوالدتي :

كان الدكتور عبد العزيز شديد التعلق بوالدته، حتى كان يغسل قدميها ويقبل يديها كلما دخل وخرج من البيت ويسألها عن رضاها عنه، وكان كثيراً ما يوصي زوجته عليها، ويسأل والدته ( امي، كيف ام عبد الله معاك ؟) فتجيبه ( الحمد لله ما مقصره يا ابني، والله يرضى عنها ) فيفرح ويشكر زوجته على ذلك، وكان يعلم اولاده على برها وتقبيل يديها واحترامها وعدم ازعاجها.

تمني الشهادة :

كان الشيخ عبد العزيز يرحمه الله يتذكر الموت دائماً، حتى انه كان يوصي اهله بعد موته أن لا يتبعوا عادات الجاهلية، وأن يدعوا له بالرحمة والمغفرة، وتحدثنا زوجته قائلة ( في اواخر ايامه قال لي: اذا لم امت شهيداً فاني خسران، لانه ما عندي عمل كبير اقابل به رب العالمين، اتمنى ان اموت شهيداً ).

 قصة استشهاده :

يوم 29/ 6 / 2006 م أختطف الشيخ عبد العزيز من قبل اصحاب الملابس السوداء وأُخذ الى جهة مجهولة، وبعد مفاوضات بين الخاطفين واهله مقابل ( 15 ) الف دولار، وجدت جثته بعد عشر ايام من تاريخ اختطافه في الطب العدلي وعليها اثار التعذيب الشديد.

نسأل الله له الفردوس الاعلى، وان يلحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين،، وحسُن اولئك رفيقاً.

 

التوبة العامة … طريق رفع البلاء العام

0

ان الدنيا دار ابتلاء وامتحان.. وما يكاد الانسان يخرج من محنة حتى يدخل في اختها.. وللابتلاء سنن لا تتغير ولا تتبدل، فمن ادرك هذه السنن واحسن التعامل معها كانت له طريقا الى النجاة.. ومن فشل في فهم السنن والتعامل معها جرت عليه السنة دون ان يدري ما مصيره.

ان من سنن الله تعالى في الابتلاء ارتباط البلاء بحال النفوس.. وان الله تعالى عندما يغيّر حال فئة من الناس فالسبب هو تغييرهم لما في نفوسهم ( ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).

ان الفساد الذي يعم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتنا اليوم انما هو نتيجة طبيعية لما نفعله من معاص وما نعيش فيه من غفلة.. والغاية منه ليس الانتقام!! ولكنه ابتلاء الله اللطيف بعاباده لعلهم يعودون اليه ويتوبون.

( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون )

وكلمة لعلهم يرجعون تدل على ان حالة الرجوع الى الله تعالى هي المطلوب من انزال البلاء وبمجرد ان تتحقق فإن البلاء سيرفع، وهذا ما حصل مع سيدنا موسى عليه السلام (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا باياتنا وكانوا عنها غافلين).

وسورة الانعام تذكر لنا ان الغاية من الابتلاء واسباب ابتعاد الناس عن هذه الغاية وعدم فهمهم واستجابتهم لها.

( ولقد ارسلنا الى امم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) فالغاية هي التضرع الى الله تعالى والتذلل له سبحانه: ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ). فهناك سببان لعدم استجابة الناس عند البلاء.. اولها قسوة القلوب.. فالقلب القاسي لا يربط الامور والاحداث بالله تعالى وانما تجده يتعلق بالاسباب ويعول على فلان وفلان (ولا يذكرون الله الا قليلا). أما السبب الثاني فهو تزيين الشيطان للناس أعمالهم حتى يرى المنكر معروفا والخطأ صوابا.. فتجده حتى في حالة البلاء لا يتهم نفسه ولا يفكر في انه من الممكن ان يكون هو من اسباب البلاء وانما حتى اذا ما حدثته عن الذنوب ودورها في نزول البلاء اجابك بأن الناس يفعلون كذا وكذا (ونسي ما قدمت يداه).

ولكن هناك امر مهم في التوبة والتضرع.. الا وهو ان البلاء النازل على الفرد يرده دعاء الفرد اما البلاء النازل العام الذي ينزل على الناس فيحتاج الى دعاء وتضرع وتوبة عامة من الناس، كما جاء في الحديث: ( يأتي على النَّاسِ زمانٌ يدعو فيهِ المؤمنُ للعامَّةِ ، فيقولُ اللَّهُ تعالى : ادعُ لخاصَّةِ نفسِك أستجِبْ لَكَ ، فأمَّا العامَّةُ فإنِّي عليهِم ساخِط).

وهذا يفسر لنا لماذا يدعوا الكثير من الصالحين ومن المؤمنين ولا يرفع البلاء!! لأن البلاء العام يحتاج التوبة عامة، ولنا في قصة قوم يونس خير دليل.. قال تعالى (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ) [سورة يونس : 98]

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه (فلولا كانت قرية آمنت)…الآية، يقول : لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس عليه السلام فاستثنى الله قوم يونس وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل فلما فقدوا نبيهم عليه السلام قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح وأخرجوا المواشي وفرقوا بين كل بهيمة وولدها فعجوا إلى الله أربعين صباحا فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل.

فهذا هو علاج البلاء العام انه نزل بمعاصي الناس جميعا.. ويحتاج الى توبة عامة حتى يرفع.

والناظر الى حال مجتمعنا لا يستغرب نزول البلاء بذنوبنا، فلا زال الكفر بالله علنا وسب الله تعالى يجري على الالسنة في الشوارع، ولا زال الشرك بالله تعالى امرا قائما.. والناس يمشون على اقدامهم عبادة لغير الله.

ولا زالت الفواحش تزداد يوما بعد يوم بفعل المسلسلات التركية ومواقع الفيسبوك وغيرها، ولا زالت الغيبة والنميمة بين الناس في كل مكان، والشح والبخل والانغماس في الدنيا حد الاسراف.. فتجد كل هم الرجل ما يلبس وما يأكل وما يركب وما يسكن، واختفت القناعة وصار الناس يلهثون خلف الدنيا لهثا، ولا زالت الرشوة سائدة تزداد يوما بعد يوم، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وغيرها مما لا يعلمها الا الله تعالى.

الا وان من رحمة الله تعالى بالناس ان يبتليهم بالمصائب حتى يصحوا ويرجعوا اليه ولا يلقوه بما هم عليه من الذنوب.

الواجب العملي:

1- التوبة العامة في صلاة الجمعة.. وتكليف كل شخص بنشر هذا الامر مع اهل بيته اولا ومع من يعرفهم من الناس فيأمرهم بالتوبة الى الله تعالى.

2- تذكير الناس بكثرة الدعاء والاستغفار والابتهال لله تعالى.

3- اذكار الصباح والمساء.. وقراءة المعوذات.

4- تعاون الناس فيما بينهم على حماية امنهم ومناطقهم.

5- التوكل على الله وتسليم الامر له.

أبو زينب … التاجر المسلم

0

المولد والنشأة :

ولد عام 1972 م في مدينة حديثة إحدى أقضية الانبار غرب العراق، من عائلة ترجع الى آل بيت النبوة فهو من بيت الأعراجي، وهناك بدأ حياته الاولى باكمال الدراسة الابتدائية وحتى إكمال الاعدادية، انتقل الى العاصمة بغداد طالباً في كلية التربية، لكن ظروفاً المّت به حالت دون الحصول على الشهادة الجامعة آنذاك.

تردد على المساجد، وأحبّ الصلاة كثيراً في جامع الامام الاعظم أبي حنيفة النعمان، وبدى اهتمامه بالدين ينمو شيئاً فشيئاً، عزّز ذلك مطالعته للكتب الاسلامية التي تركت أثرها في شخصيته فيما بعد.

السفر… بداية النشاط :

شهدت الساحة العراقية تضييقاً واسعاً في مجالات العمل بعد حرب الخليج الاولى، ممّا اضطر كثيرين الى السفر للحصول على فرصة عمل، وكان عبد العزيز احد هؤلاء النفر الذين تركو بلدهم خروجاً من المأزق الاقتصادي آنذاك.

كانت الوجة الى قطر، وهناك عمل في مجال الصحافة حيث اكسبته هذه المهنة ثقافة واسعة ومهارة جديدة في الحياة، ومن خلال وجوده هناك تعرف على المشايخ من اهل الدعوة والحركة الاسلامية وتأثر بهم، ولما عاد الى العراق انخرط في تلك الدعوة المباركة عاملاً مجتهداً في مؤسساتها.

سهم في كل خير :

تعدد نشاط ابي زينب رحمه الله في العراق، خصوصاً بعد وقوع كارثة الاحتلال، حيث ركز نشاطه في مجال الاغاثة ورعاية الارامل والايتام، واخذ هذا العمل منه الجهد الكثير، وبرز دوره في معركة الفلوجة الاولى، حيث بذل الجهد والمال والاسناد، فكان له الاثر الذي لا يُنسى وكذا عنايته بملف حقوق الانسان وتوثيق جرائم الاحتلال والسعي بها في المحافل الحقوقية كي لا يضيع حق من سلب النفس والارض والمال، وقد استطاع بفضل الله ثم بحركته الدؤوبة أن يحصل على إعانات لكثير من متضرري الاعاقات نتيجة الاعمال العسكرية التي صاحبت غزو العراق.

 فقدان الاحبة :

يتعرض المسلم في حايته لنوع من الابتلاء الذي قدّره الله له، اما تكفيرياً للذنوب او رفعة لمنزلة، وفي الحالتين خير، وقد اصاب ابو زينب من ذلك الابتلاء بفقده لعائلته الكبيرة، حيث أُصيبت زوجته وابنه بطلق ناري وكذلك ابنة اخته مع اطفالها، واصيب هو بطلقة في الرأس، امّا باقي العائلة فكان مصيرها الغرق، لأن السيارة التي تقلهم انحرفت عن مسارها وسقطت في النهر، فقد كان متجهاً الى حديثة من طريق بغداد، وكان امامه رتل لقوات الاحتلال الامريكي، وهو يمشي مسافة بعيدة عن الرتل وحاله في ذلك كحال السيارات الاخرى، لكن جندي الاحتلال الذي كان في السيارة الاخيرة فتح النار على زوجة عبد العزيز اولاً، ثم ادار مدفعه الرشاش وبدأ يضرب مَن في السيارة، وهنا حاول عبد العزيز ان ينحرف عن النار لكنه وقع في نهر قريب بعد ان أُصيب برأسه، تجمع الناس لاخراجهم لكن جنود الاحتلال ازداد جنونهم مما اخاف الناس ان يقتربوا فغرقت العائلة كلها واصيب عبد العزيز برأسه واستشهدت زوجته وابنه وابنة اخيه واطفالها.

افاق من الغيبوبة على فاجعة اليمة استقبلها بصبر وثبات مستذكراً قوله تعالى:” الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) ” .

وتمر الايام سريعاً حاملة معها ماضياً جميلاً في ذاكرة ابي زينب، وكلما مرت تلك الذكرى تجد لسانه يترنم بدعاء خاشع، وعيون تحتبس فيها الدموع.

المسلم.. كتلة من الفضائل :

يتفق الكثير ممن التقينا بهم وتحدثوا عن شهيدنا عبد العزيز انه تمتّع بمزايا جعل في نفوس من عرفوه كل حبّ ووقار، فهو حلو المجالسة ولا يحدثك الا بخير، جميل المظهر، ذواقاً في ملبسه وهيئته، ولعل هذه الصفات جميعاً جعلته في مقدمة رجال الاعمال الناجحين الذين قدموا مشاريع عديدة لخدمة الدين، لان المال عصب الحياة، وبه تمتلك الوسائل، فهو انجز بعض الاعمال التجارية بنجاح، وبعضها الاخر لم يكتب لها النجاح، لانه كان قد فارق الدنيا.

قصة استشهاده :

كان يكرر قوله لاحد المقربين له ( اشعر باني قريب من عائلتي التي استشهدت وسالتحق بهم ) وكان في عينه بريق من يرى شئ، وحوله لا يرون، وكأنه يشعر بذلك، والغريب ان الشهيد عيسى ابي ميسرة كان يقول نفس الكلام، وكأن ارواحهم غادرت اجسادهم مبكراً لترى حالها فيسقط الجسد كثوب عتيق ارهقته ادران الارض وتحررت الروح فتطير لتسجد عند ربها في محراب الطهر والكرامة والعزة والشهامة.

اثناء وجوده في منزل احد اصدقائه في منطقة أبي غريب غرب العاصمة بغداد، داهمت ذلك البيت قوة خاصة قامت بجمع الاخوة الاربعة ( عبد العزيز ، هيثم ، عبد الصمد ، سلطان ) في غرفة واحدة واطلقت عليهم النار بشكل جماعي، وبعد تنفيذ الجريمة مثلوا بجثث الشهداء الاربعة، وهكذا اسدل الستار على هذه الجريمة كسائر الجرائم التي ارتكبت ضد اهل الاسلام في العراق.

تغمد الله أبا زينب واخوته بواسع رحماته، واسكنهم فسيح جناته … امين .

قليل في أعين الناس … عظيم عند الله

0

إن الحساب في ميزان الله سبحانه غير الحساب في ميزان البشر , فهو الرحيم سبحانه , وهو غفار الذنوب , وهو قابل التوب , وحسابه سبحانه لعباده قائم على الحقائق لا على الظواهر , فأصله القلب والنية ومكنونات النفس  .

وقيمة الأعمال في ميزان الله سبحانه ليس مرجعه إلى قدرها ولا حجمها ولا شكلها , إنما مرجعه إلى صدقها وإخلاصها ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها .

فليس بين الله وبين خلقه قرب إلا بالتقوى , فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب , وكان عند الله أكرم , فالعمل على ما في القلب , وعلى ما في القلب يكون الجزاء يوم القيامة , كما قال الله تعالى  “إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ” , فإذا كانت السريرة صادقة نقية مخلصة فهي البشرى , وإن كانت خبيثة فقد فقدت الخير كله , يقول سبحانه : ”  أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ”

هذا المبدأ العظيم قد يرتقي بعبد ضعيف فقير مريض إلى عليين بإخلاصه في قليل العمل , وقد يهبط بقوي غني صحيح إلى أسفل سافلين بسوء قلبه وفساد نيته .

وانظر إلى تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ بقوله : ” إِنَّ الله لاَ يَنْظُرُ إِلَى أجسادكم ولا إلى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ واعمالكم ” أخرجه مسلم , يقول المناوي : أي لا يجازيكم على ظاهرها ولا يثيبكم عليها ولا يقربكم منه , ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم التي هي محل التقوى ..

ثم انظر إلى هذا الموقف الجلل يوم القيامة , يوم يؤتى بالعابدين الذين ساءت نواياهم وارتجوا من الناس الشهرة والرياء والسمعة فيعرفهم الله نعمه عليهم ويخزيهم بسوء نواياهم رغم أنهم قد عملوا أعمالا كبيرة فيما يرى للناس فأحدهم قارىء للقرآن والآخر متصدق … وهكذا , فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت, قال: كذبت, ولكنك قاتلت لأن يقال جريء, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار, ورجل تعلم العلم, وعلمه, وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته, وقرأت فيك القرآن, قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم, وقرأت القرآن ليقال هو قارئ, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار, ورجل وسع الله عليه, وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك, قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار” .

إنها نعمة بالغة من الله سبحانه الرحيم لعباده المؤمنين الصادقين , فليصلحوا قلوبهم وليستحضروا صالح نواياهم وعندئذ تتضاعف قيمة الأعمال ويصبح العمل الصغير في أعين البعض عظيما عند الله , يقول ابن المبارك : ” رُبَّ عمل صغير تُعظِّمه النيّة، ورُبَّ عمل كبير تُصغِّره النيّة ” , ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ” والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر الله له به كبائر”

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ” جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاَثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ” إِنَّ الله قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ ” أخرجه مسلم

وعن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إِنَّ رَجُلاً لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ؛ فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ الله يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لا، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لِي غُلامٌ وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ يَتَقَاضَى قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَتَجَاوَزُ عَنَّا. قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ ” أخرجه النسائي

وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ؛ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي. فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا يَا رَسُولَ الله: وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ” متفق عليه

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ ” .

خالد رُوشه / موقع المسلم

 

عـاقـبـة الظـلـم

0

شَرَعَ اللهُ تعالة القِوامةَ للرجلِ لأنَّه الأجدرُ بها، كيْ يقودَ سفينةَ البيتِ إلَى برِّ الأمانِ، فقد شَرَعَ لزوجتِه أنْ تُطيعَه في كلِّ معروفٍ يأمُرُ بهِ وتَقْدِرُ عليهِ، وبهذا تستقِرُّ الحياةُ. قال الله تعالى:” فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ” [النساء: 34]. هذهِ الآيةُ الكريمةُ تَحمِلُ في طَياتِها سببًا عظيمًا منْ أسبابِ تحقيقِ استقرارِ الحياةِ الزَّوجِيَّةِ، وهيَ مرتبطةٌ بالآيةِ التي قبلَها والقاعدةُ المستَفَادةُ منْها “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ “،  ” فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا “، فحيث شَرَعَ اللهُ تعالى القِوامةَ للرجلِ لأنَّه الأجدرُ بها، كيْ يقودَ سفينةَ البيتِ إلَى برِّ الأمانِ، فقد شَرَعَ لزوجتِه أنْ تُطيعَه في كلِّ معروفٍ يأمُرُ بهِ وتَقْدِرُ عليهِ، وبهذا تستقِرُّ الحياةُ ويَحصُلُ السَّكنُ كغايةٍ منْ غاياتِ الزواجِ، “وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ” [الروم: 21]. فإنْ خافَ قيِّمُ البيتِ مِنْ نُشوزِ المرأةِ، فقدْ أعطتْهُ الشريعة سلطة لعلاج النشوزِ بطريقةٍ متدرجةٍ حكيمةٍ كمَا سَبَقَ، وحيثُ إنَّ السلطةَ الممنوحةَ للرجلِ قدْ تَحمِلُ بعضَ الأزواجِ علَى الظُّلمِ والتعدي، فقدْ قِيلَ لَهُ: ” فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا “، فسمَّى اللهُ مجاوزةَ الرجلِ حدَّه – إنْ أطاعتْهُ زوجُه – بَغْيًا، والبَغي مرتعُهُ وَخيمٌ ” وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ” [الشعراء: 227]، وفي الحديثِ القدسِي: ” يا عبادي إني حرّمتُ الظلمَ على نفسِي وجعلتُه بينكم محرّمًا فلا تظَّالموا “، ولهذا أوعدَ الزوجَ إنْ ظلَمَ وبَغَى، ونَلْحظُ هذا في قولِه: ” إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ” ، فإذا كانَ للرجلِ العلوُ في البيتِ بالقِوامةِ على المرأةِ، فلْيعلمْ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أعلَى منهُ بذاتِهِ وقدْرِهِ وقُدرتِهِ، بل علوُّه علوٌ كبيرٌ مطلقٌ لا حد لعظمته، وهوَ مَنْ أعطاهُ القِوامةَ، فلْيحذرْ أنْ يتصرفَ في ملكِهِ بغيرِ إذنِه وبغيرِ مَا شَرعَ، وإذَا أرادَ أنْ يتعالَى علَى زوجِه أو يظلمَها لقدرتِه عليها، فليتذكرْ قدرةَ العليِّ الكبيرِ عليه، كما يُقالُ: إذا دَعَتْكَ قدرتُك لظلمِ النَّاسِ فتذكَّرْ قدرةَ اللهِ عليكَ، ولْيحذرْ مخالفةَ أمرِهِ وتعدي حدودِه واستعمالَ ما وَهَبَه اللهُ منَ القِوامةِ للظلمِ، فإذا تعدَّى حدودَ القِوامةِ ولمْ يراقبِ اللهَ عز وجل فيها، فلْينتظرِ العقابَ منَ اللهِ العليِّ الكبيرِ العظيمِ، القادرِ علَى أنْ يُعاقِبَ الذي يَبغي وَيتعدَّى. إنَّ للزوجِ حقوقًا علَى زوجتِه حددَّها الشرعُ، فإنْ أطاعتْه وأدَّتْ حقوقَه فلا يجوزُ لهُ أنْ يَتجاوزَ حدودَه ويُكلِّفَها ما ليسَ عَليها، كَما أنَّ للزوجةِ على زوجِها حقوقًا حدَّدها الشرعُ، فإذَا قامَ الرجلُ بواجباتِه الشرعيةِ -أي بحقِّها عليهِ- فلا يجوزُ لها أنْ تَعْصيَهُ فتَكونَ ناشزًا. وفِقْهُ هذهِ المسائلِ ومعرفةُ حقوقِ الزوجِ والزوجةِ والقيامُ بها، هوَ الذي يَضْبِطُ مَسيرةَ الحياةِ الزوجيةِ، وبِهِ يتحققُ التوازنُ والاستقرارُ والمودةُ بإذنِ اللهِ.  

 

ناصر بن سليمان العمر/ صيد الفوائد