الرئيسية بلوق الصفحة 35

الـنـفـس الـتـوّاقــة

0

بقلم / الدكتور منير السامرائي

رسالة في رفع الهمة ( 2 )

في المرتقى نحو العلياء نحن نقتفي آثار العمرين الراشدين في رفع الهمة وشحذها لارتقاء القمة .. ففي المشهد السابق كان الفاروق عمر رضي الله عنه يعدّل الصورة : صورة المسلم المنعكسة عن الإيمان في بؤرة الواقع ، فقد كان [ إذا مشى أسرع ، وإذا تكلم أسمع ، وإذا ضرب أوجع ] كما يصفه الواصفون .. فتستعيد الصورة حيويتها وتتوازن مساحاتها اللونية والتعبيرية .. واليوم يأتي الحفيد ليضع النقاط على الحروف في بيان الهمة العالية ، ويصنع للصورة إطارا قشيبا تزدان به بين الصور ..

في الرسالة السابقة تناولنا رفع الهمة من حيث أنها مبدأ من مبادئ صناعة الحياة ، وتحدثنا عن الاستعلاء باعتباره قيمة من قيم الإيمان .. ولعلنا شحذنا الهمم برصيد من المعاني المستوحاة من مواصفات ( الأعلون ) التي يتربع على منصتها المؤمنون .

وفي هذه الرسالة نسعى الى ” تعبئة ” رصيد آخر يديم الصلة الإيمانية بعلو الهمة ، نستلهمه من الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ، الذي اجتمعت فيه ( النفس التواقة ) بعناصرها ومكوناتها ، فكانت مثالا راقيا للإبداع أعجز مَن بعده ، ولكنه يبقى أملا للسالكين وحاديا للسائرين ..

فما هي ” النفس التواقة ” ؟

عرّفنا بها حال صاحبها ، إذ يقول : ( تاقت نفسي الى فاطمة بنت عبدالملك فتزوجتها ، وتاقت الى الإمارة فوليتها ، وتاقت الى الخلافة فأدركتها ، وقد تاقت الآن الى الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله عز وجل ) .. هي النفس التي لا تركن الى حال واحد جامد ، وإنما تجدد آمالها ، كلما قطعت شوطا في مسيرة الحياة تشوفت الى ما بعدها .. همتها عالية متوثبة حتى تلقى الله .. وحقيقة أشواقها ورغائبها معلقة بذلك الخلود الأخروي  ..مالكها آخذ بعنانها نحو النعيم الذي لا ينفد .. يغذ السير، لا يلوي على أحد ..

تشكيل النفس التواقة

تتشكل النفس التواقة من عناصر مهمة يسند بعضها بعضا لتولد من مزيجها الهمة العالية :

أولا – الرؤية الواضحة ( = الطموح ) : وهي المجملة بكلمات الخليفة عمر بن عبدالعزيز- رحمه الله تعالى –  في ترتيب طموحاته العالية المتتالية ، فما أن يضع لنفسه مطمحا ساميا فيناله ، حتى يتقدم خطوة أخرى صعدا الى مطمح جديد : الزواج من الأميرة ، ثم الإمارة ، ثم الخلافة .. ثم الدار الآخرة !! فمن أراد أن يمتلك نفسا تواقة فليزجها في مصنع الطموح ، ويرقمها في رقيم الأهداف المتصاعدة ، لا يرضى لها التراجع أو المكوث في المحل طويلا . يقول ابن القيم : [ فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة ، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات .. ] .

ثانيا –  الإرادة الصلبة : وهذه تبع لتلك  ، فالإرادة قوة نفسية تكتسب صلابتها من الطموحات العزيزة والأهداف النفيسة .. وما لم تكن للمرء ارادة متوثبة تدفعه الى التنافس والمنافسة فلن يحقق ما تتوق إليه نفسه ، بل ستتراجع  خطواته وترتبك مساراته .. وغذاء الإرادة الصبر ، فما من أمر ذي بال إلا ويحتاج الى صبر واحتمال ، فبالصبر يدرك المآل وتتحقق الآمال .

ثالثا – القضية الملهمة : لا بد للنفس التواقة ، وهي الجناح الذي يطير به المرء نحو القمة ، من أن تتعلق بقضية تغذيها بالإلهام وتدفعها باتجاه الأهداف الكبيرة .. فإن [ همّك ما أهمّك ] قاعدة ذهبية في شحذ الهمم .. فبقدر الهم يكون الاهتمام ، وكلما كبر الاهتمام واتسع اتسعت إزاءه العزائم وشمخت روافع الانجاز .. أرأيت الى ذلك الشاب الطموح الذي تعلقت نفسه ببشارة المصطفى صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية ( فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش ) فلم يهدأ له بال حتى أصبحت المدينة طوع أمره وعاصمة سلطانه ؟

رابعا – العمل الدؤوب : فالطموح رجاء لا بد أن يقارنه عمل ، وإلا فهو أمنية جوفاء ليس لها قرار أو مقدار .. وينبغي أن يكون العمل متناسبا مع الطموح [ على قدر أهل العزم تأتي العزائم .. ] .. فلما كان طموح ذلك الصحابي ، وهو يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أسألك مرافقتك في الجنة ) وهو رجاء عريض يليق بالنفس التواقة ، وضع النبي صلى الله عليه وسلم أمامه دليل العمل الذي يمهد له الطريق الى مبتغاه ، ( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) ..

   وسائل التعزيز :

إن صاحب النفس التواقة لا تتوقف آماله ولا تنتهي طموحاته ، ولا يرضى بالدون مهما كانت العقبات والملمات ، ومهما غلت التضحيات .. ولابد لمسار الاستعلاء من معززات تقويه وتثبته على الطريق .. وهي كل ما يبعث فيك تيار الهمة ويجدد فيك النشاط والاستمرار .. ومنها :

أولا – حسن التوكل على الله : قال تعالى” وتوكل على الله “، فهو أمر شرعي تعبدي ، والتوكل عبودية قلبية نفيسة عمادها حسن الظن بالله تعالى وصدق التعلق بعلمه وقدرته ، وبراءة المرء من حوله الى حول الله وقوته .. وحسن الظن بالله عبادة يغفل عنها الكثيرون وسط عالم تملؤه المخاوف والقلق على المستقبل ، عبادة تمسح على القلوب فتعود راضية مرضية ، مطمئنة الى أن الأمر كله لله وهو على كل شيء قدير ..

ثانيا – التدرج في الأهداف : وهو ما يسهل بلوغ الغايات ، فالنجاحات المتدرجة والمتعاقبة تبعث الهمة وترسخ معاني الصمود لمواجهة العقبات .. ولا ينبغي الاستعجال أو حرق المراحل ، فلكل مرحلة ظروفها التي تتحقق في بوتقتها الأهداف المناسبة .. وانظر الى صاحب النفس التواقة كيف تدرج في أهدافه فكبرت وتعاظمت لتنتهي الى مقعد صدق عن مليك مقتدر .

ثالثا – البيئة الخضراء : فالتواجد في بيئة يتنافس فيها الناشطون تشجع على امتلاك النفس التواقة ، وتزدهر فيها الهمة وتشمخ في أعطافها الآمال .. عناصرها الجو الإيماني والسلوك الرباني ، واحترام الوقت وحسن إدارته ، وتوقد الذهن بالمعرفة ، والفريق الذي يذكرك بالمهمة ويعينك على المطاولة في السباق واختراق الآفاق ..فعليك بمجالسة ذوي الهمم العالية تتأسى بطموحاتهم ، ومطالعة سير الناجحين وتستأنس بنجاحاتهم .. فذلك مما يعزز انتظامك في قوافلهم ..

 

ما يقتل الهمة :

أولا – الطموح المتراجع : كثير من الناس يقتل همتك وهو يقدم لك نصيحة يحسبها بلسما لراحة البال وسعادة الحال ، فيقول لك [ مدّ رجلك على قدّ  لحافك ] ..أي لا تتطلع الى أبعد مما هو بين يديك !! . فيزرع في نفسك طموحا ضئيلا وهما قليلا ..إنه معول لتحطيم النفس التواقة والإجهاز عليها بين جنبيك .. إنها دعوة للرضى بالدون والتوقف عند الأهداف الصغيرة والحدود الحقيرة  .. فإياك والأهداف الصغيرة والنظرة القصيرة .. وخذ بالنصحية العمرية [ لا تصغرنّ همتكم ، فإني لم أرَ أقعد عن المكرمات من صغر الهمة ] ..

ثانيا – التسويف :فإنه خدعة النفس العاجزة ومخدر الهمة الخائرة .. فليس لأهدافها موعد تعمل على تحقيقها في مداه ، وكل أيام الأسبوع لديها ( غدا ) ، فينقضي الأسبوع بدون إنجاز يذكر ، وينتهي العمر غارقا في بحر التسويف والتأجيل .. إن أحرف التسويف سيوف لقتل الوقت وإزهاق الحياة .. والوقت رصيد لا يتجدد ، فلا ينبغي أن يتبدد ..رصيد قيمته  بالإنجاز تتحدد ، وبالعمل الدؤوب يكبر ويتصعد .. ومن الحماقة أن يخسر المرء أيامه في لا شيء من عمل الدنيا أو الآخرة ..ولك في حديث الفسيلة منار تهتدي به في السعي المثمر وإن طال أمده أو أدركته الساعة .. فإنما هو العطاء ، تلك القيمة الايجابية التي تتأبى على التسويف والتأجيل والتأخير والتعطيل .

ثالثا – معاشرة الكسالى والبطالين : فليس أعدى على الهمة وانتزاعها من النفوس من معاشرة الكسالى والبطالين ، من ذوي الهمم الدنيئة والإرادة المتعلقة بالسفاسف .. إن الكسل مرض انتقالي والبطالة داء معد ، وهما يصنعان بيئة خصبة لقتل الطموح وتبديد العمر في التفاهات .. فمن أراد أن يرتقي في الأسباب فليحذر مصاحبة كل كسول بطال ، ولينأى بنفسه عن الذين لا يحسنون إلا التثاؤب والخلود الى الأرض .. وليكن بينه وبينهم حجاب مستور ..

الداعية العميد

0

المولد والنشأة :

ولد في الموصل عام 1931م، لأب صالح حكيم ، كان موظفاً في الحكومة العثمانية ثم مملكة العراق ، وتلميذاً من تلاميذ الشيخ محمد الرضواني فقيه الموصل ، ووالدته من بيت علم وتقوى وهو بيت الشيخ نوري يرحمهم الله تعالى .

اكمل دراسته الاساسية في الموصل ، وحين كان طالباً في المرحلة الثانوية توفي والده ، ولم يكن لهم هناك من رمق يسد عيش اسرته سوى راتب تقاعدي تركه لهم والدهم ، ومع ذلك التحدي وفقر الحال استطاع ان يكمل كلية الشرطة بتفوق عام 1956م ، وكان يشار اليه بالبنان لحسن التزامه وتمسكه بتعاليم الاسلام .

كما تميز رحمه الله منذ نعومة اظفاره بحبه للدين والألمعية وتعدد المواهب والشدة في الحق ، ينصر الضعيف ولا تأخذه في الله لومة لائم .

ومن مشاهد علو همته التحاقه بكلية اللغات بجامعة بغداد لدراسة اللغة الانكليزية عام 1962م في الدراسات المسائية برغم صعوبة الالتزام بها مع واجبات الشرطة ومسؤولية العائلة ، الا انه تخرج منها بتفوق عام 1966م حاملاً شهادة البكالوريوس في تخصص جديد .

طريق الدعوة :

كان لنشأته رحمه الله دور كبير في انضمامه لركب الدعوة المباركة ، فمع نهاية الاربعينات كان قد التزم بين صفوفها وعمل في برامحها التربوية الاصلاحية ، وتأثر كثيراً بالشيخ محمد محمود الصواف .

ومن مواقفه المشهودة عندما كان طالباً في كلية اللغات ، استلم اثناء شهر رمضان بطاقة للافطار في القصر الجمهوري مع الرئيس عبد السلام عارف ، وبعد صلاة المغرب في القصر صافح الرئيس وقال له : ( سيدي احكم بما انزل الله وكلنا وراءك ) فرد عليه الرئيس : كل شي سيصبح كما تريدون ، وبطبيعة الحال لم يتحقق شئ مما وعد به الرئيس، وانما جاءت النصيحة من مسلم غيور يريد لشريعة الله ان تحكم الدنيا .

الرحلة الى امريكا :

سافر الى الولايات المتحدة الامريكية عام 1959م لدراسة مكافحة التهريب والمخدرات ، وهناك لمس اساتذته الامريكان فطنته ونباهته فعرضوا عليه الجنسية الامريكية وان يبقى عندهم ، فاخرج لهم من جيبه كتاب الله وقال لهم : هذا يعيدني الى بلادي لخدمتها والتمسك بها . وهناك عرّف الناس بالاسلام وانه دين ابو الانبياء ابراهيم لان النصارى يعرفون من يكون ابراهيم عليه السلام .

طالب العلم :

احب السيد فالح العلوم الشرعية منذ عقده الاول ، فكان رحمه الله يواظب على حضور دروس العلماء ، فابتدأها عند مفتي العراق العلامة نجم الدين الواعظ في جامع العساف في مدينة الاعظمية ، حيث درسه اليومي بعد صلاة المغرب ، والعلامة بهجت الاثري ثم الشيخ عبد الكريم المدرس في جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ محمد الفياض في الفلوجة ، كما درس الفقه الشافعي عند الشيخ حامد عطيوي في مدينة الرطبة عندما كان مديرا للشرطة هناك ، ودرس الفقه الحنفي لدى الاستاذ ظاهر الواعظ في مدينة الشرطة ببغداد .

وشملت جولاته التحري عن المساجد والصلاة فيها وحضور انشطتها الدعوية ، فلا يكاد يمر اسبوع الا وله مرور على المساجد الاولى للعاصمة مثل جامع الامام الاعظم والدهان وسيد سلطان علي وعلي افندي والحيدرخانة والاصفية والوزير ، مع مواظبة تامة في السؤال عن الفقراء والمحتاجين والارامل ، ويعمل جاهداً على مساعدتهم وتفريج كربتهم وادخال السرور الى قلوبهم .

رحلة الحياة :

بعد رجوعه رحمه الله من الولايات المتحدة الامريكية وقد اجتاز الدورة التدرييبية بنجاح باهر ، عمل في الكمارك للمنطقة الشمالية والوسطى ، ثم نقل من مديرية الكمارك الى الشرطة العامة وهناك ابدع وتفانى في عمله باخلاص ، حفظ كتاب الله عز وجل وذلك اثناء بقائه في ايام الخفارات والانذارات في عمله ، حيث اغتنم ساعات الفراغ والليل لتلاوة وحفظ القران الكريم .

مؤلفاته :

كرس حياته لدين الله سبحانه وبدأ باثراء المكتبة الاسلامية ببعض المؤلفات بعد احالته على التقاعد ، وهي : نور على المعرفة ، حقيقة الاسلام ، المرأة في الاسلام حقيقتها ومكانتها ، سبل التقوى ، وله قصائد في حب النبي صلى الله عليه ، لوما شرع بتفسير القران رأى في المنام المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يسلمه مفاتيح الكعبة ويقول له اكمل عملك وارجع لنا ، فبدأ بالجمع والتأليف واسماه (المستقى) ، واكمل بعد جهد متواصل استمر لست سنوات من السهر والمطالعة والبحث ، ومانت امنيته ان يطبعه في كتاب لكن الشهادة عاجلته في الرحيل .

قصة استشهاده :

مسيرة طويلة في الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ورفع راية الاسلام حيثما حل وارتحل ، كان لا بد للداعية من استراحة الخلود ، فهو في اخر خطبة كان قد ارتقى المنبر يعظ الناس بنصوص الكتاب والسنة واقوال الفقهاء وتجارب المصلحين ، وذلك في مسجد الفتيان بالسيدية ، وجاءت الجمعة الاخرى 9/11/2007م لتغدر به عصابة الدم ، وتمعن في تعذيبه ، وتشاء حكمة الله عز وجل ان يُصلى عليه في ذات المسجد الذي خطب فيه ، لكن الارتقاء ليس للجسم هذه المرة بل هو للروح في اعالي الجنان مع رهط الذين امنوا والذين هم متقون .

رحم الله شهيدنا بواسع رحمته ، واسكنه فسيح جناته .

السعادة في الرضا

0

بقلم/ أميمة الجابر

الراحة هي المبتغى الذي لا يبلغ في الدنيا , والسعادة هي الغاية المأمولة من الحياة بأسرها , والرضا هو السبيل إليهما معاً  ..

فكثير من الناس غير راضين على أحوالهم , ولا عن أنفسهم , ولا عن شيء قد حققوه في حياتهم , فهم متأسفون على ما مضى إذ لم يجمعوا مالاً ولم يصيبوا جاهاً , ولو جمعوا مالاً أو اصابوا جاهاً فهم ساخطون على أفعالهم فيهما , وكثير من الناس غير راضين عن شئونهم ولا أرزاقهم ولا زوجاتهم ولا أولادهم وربما نما السخط على أنفسهم , فهم يتقلبون ليلاً ونهاراً بين مشاعر سخط وأفكار أسف , لا يعرفون للرضا طعماً ولا يتذوقون له لذة.

فالرضا بالحال يجلب لصاحبه طمأنينة النفس وهدوء البال , ويشيع البهجة في حياته , فرحاً بكل قليل.

أما السخط فما يزيد الانسان إلا اضطراباً دائماً , وتمرداً وحقداً وحسداً , وكآبة مهما تعددت عنده الخيرات , فهو دائما يريد المزيد , بل ويشعر داخل نفسه أنه لا يملك إلا القليل.

والشعور بالرضا على الحال مقدور ممكن ، وهو ممدوح غاية المدح , وهناك وقفات مهمة في هذا السبيل :

1- علينا أن ننظر لأحوال الآخرين خاصة المهمومين والمكروبين وأصحاب المصائب المختلفة , فمن تفكر في أحوال هؤلاء هان عليه كل ما هو فيه من مشاق , وإلى هذا يلفتنا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمرنا من دعاء عند رؤية أهل البلاء: ” الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم به  “.

2- علينا ألا ننظر إلى الوراء , وألا نندم على ما فات من أعمارنا دون تحقيق ما نريد , بل يجب الاهتمام بالأيام القادمة مهما كانت قليلة فالأعمال بالخواتيم , فلا قيمة للندم المجرد إلا أن يكون ندماً على معصية الله سبحانه وعزماً على الطاعة فهذا حَسنٌ مراد, لكن الندم على مافات من كسب الدنيا لا يؤثر بشىء إلا جلب الأحزان والقعود عن النجاح .

3- لا نغتر بالدنيا , فكلنا يحبها ويتمسك بها , ويسعى للشبع منها , وقد ضرب الله تعالى لها مثلاً حيث قال : ” واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً” .

4- فلماذا لا نعتبر ممن سبقونا ! فأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها ؟ وأين الجبارون الذين كان لهم الغلبة والنفوذ والاستبداد , قد انهار بهم الحال , وصاروا رميماً , فغادروها وتركوها ولم يبق غير أعمالهم , وأصبحت الدنيا دنيا لغيرهم , وبقينا نحن بعدهم .

قال عثمان رضي الله عنه في آخر خطبه له : ( إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها , إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى , لا تبطرنكم الفانية, ولا تشغلنكم عن الباقية , وآثروا ما يبقى على ما يفنى , فإن الدنيا منقطعة , وإن المصير إلى الله ) .

5- التأمل في نعم الله تعالى علينا , وحمده سبحانه: ” ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ” ، فنحن نمتلك من النعم الكثير ولكن لا نشعر بها , ولكي تدرك قيمة النعم تفكر لو أنك حرمت منها يوماً , عندها ستعلم قدرها وتستشعر فضل الله عليك بها .

فلو رضينا بما عندنا سعدنا , ولو سخطنا شقينا , ولو رضينا بالقليل من الطعام شبعنا, ولو رفضنا وتبطرنا شعرنا بالفقر , ولو رضينا بما عندنا من ملبس ومسكن هدأ بالنا , ولو نظرنا لما هو أعلي منا تعبنا .

فلماذا لا نرضي وقد يأتي يوم تفحص فيه الأعمال , ويكثر فيه الزلزال , وتشيب فيه الأطفال ؟

لماذا لا نرضي ونحن نعلم أن أيامنا القادمة هي بقية أعمارنا , فإذا كنا نحلم بالغنى فإن خير الغنى غنى النفس , وخير الزاد التقوى وخير ما ألقي في القلب اليقين , فارض بما قسم الله تعالي لك تكن أغني الناس .

 

 

المصدر : موقع المسلم

 

حركة العدل والإحسان تنعى الأستاذ عصام الشيخلي

0

 ” مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) “

    بقلوب يعمرها الإيمان بقضاء الله وقدره ، ومشاعر يغمرها الألم والأسى على فراق الاحبة النجباء ، تودع حركة العدل والإحسان رجل الدعوة الجليل ورمز الحركة الكبير الأستاذ ( عصام الشيخلي ) الذي وافاه الأجل فجر اليوم شهيداً من شهداء الجائحة الأليمة.

    لقد كان الفقيد – رحمه الله تعالى – علماً من الأعلام ، نذر نفسه لنصرة الحق والدين ، وخدمة المسلمين ، ونشر قيم الإسلام العليا ، وتربية الأجيال على معاني الوسطية والإعتدال ، وكان مثالاً في التضحية والعطاء ، وقمّة في الثبات، صادق اللهجة والبيان، يشيع الأمل في النفوس اينما حل، ويغرس حبه في القلوب دون استئذان، معروفاً بمواقفه المشرفة في قول الحق والوقوف بوجه المظاهر السلبية في المجتمع ، وداعياً الى الخير والفضيلة .

    اللهم إن عبدك الصالح ( الشيخ عصام ) قد نزل في كنفك ، فأكرم نزله واجعل قبره روضة من رياض الجنة .

    اللهم آنس وحشته بما قدم من إيمان وعمل صالح ، وارحمهُ رحمةً واسعة في مقعد صدق عندك يا مليك يا مقتدر .

اللهم ألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان

وإنّا لله وإنا إليه راجعون

 

حركة العدل والإحسان في العراق

19 / جمادي اللآخرة / 1442 هـ

1 / شباط / 2021 م

الحوار … ومفهوم الإقصاء

0

بقلم: خالد روشه

 يستعمل الناس الحوار بينهم لتوصيل الرسائل المختلفة منهم وإلى بعضهم بعضاً، وصولاً لنوع متقدم من التواصل، يتم على أساسه تقريب الرؤى ووجهات النظر، والغاية من الحوار في الأفكار؛ إقامة الحجة ودفع الغلط في الفهم، تبيين المقصود، ودفع الشبهة، فهو إذن نوع حضاري من التواصل بين الناس يتعاون فيه المتحاورون ليكشف كل طرف عن خفي مقصوده أو ليوصل للآخر صدقية رؤيته.

يقول الحافظ الذهبي: ( إنما وضعت المناظرة لكشف الحق وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه وتنبيه الأغفل الاضعف ) (شرح المواهب، للزرقاني) .

ولاستمرار الحوار ينبغي على الأطراف القناعة بعدة مبادلات ومواصفات أثناء الحوار، فمن ذلك إمكانية الوصول إلى حل وسط ، يستطيع معه – إن تم إقناعه – برؤية الآخر أن يعدل من رؤيته بشكل متوسط، لا بتمام الرجوع عنها.

كذلك يكون عنده استعداد للتنازل عن رأيه والعودة عنه إلى الرأي الآخر إن تبيّن له خطؤه، كما هو منقول عن الشافعي في آداب الحوار: ( قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب )، فاحتمال العودة إلى الآخر من كليهما وارد، وقول الأئمة: ( كل الناس يؤخذ من كلامهم ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم ) .

كذلك فإن التعرُّف على الرؤى ووجهات النظر الأخرى هو فائدة ومبادلة إيجابية للحوار، فإن كثيراً من أصحاب الأفكار يسعى لأن يصدر رؤيته وحده للآخرين، ويتناسى في بعض الأحيان أن هناك رؤى مغايرة، لدرجة أن هناك بعض الكتّاب والمؤلفين يكتبون فينتقون في نقلهم رأي العلماء من قبلهم، فيخفون الرؤى التي تخالفهم ويبرزون الدلائل التي تؤيد رؤيتهم، وقد رأيتُ ذلك مِراراً من فعل بعض المؤلفين، وهو نوع من عدم الأمانة في نقل العلم.

آخرون يتعمدون الإقصاء المقنع للأفكار المغايرة لفكره، وينتشر ذلك عند بعض المتبوعين إذ يريد أن ينشر قوله مغفلاً القول المخالف، وواصماً المخالف له بالنقص والانتقاص، رافضاً الحوار معه، وإذا حاوره علَت صرخاته ومثالب حواراته.

وطبائع الناس عادة هو الخلاف والاختلاف، قال سبحانه: ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ” [هود:118]، فقد خُلِقُوا مستعدين للخلاف والاختلاف والتفريق في علومهم ومعارفهم وآرائهم ومشاعرهم، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم في أعمالهم ومن ذلك الإيمان والطاعة والمعصية.

والحقيقة فإن الحق واضح جلي، ومن أخلاق الإسلام البحث عنه، فالصواب ضالة المؤمن والحكمة هى ما يبحث عنه، فإن وجدهما أخذهما أينما كانا، فمهما كان خلاف الناس فإن الحق واضح جلي و كما في قوله سبحانه: ” فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ” [البقرة من الآية:213]، فالله سبحانه يهدي إلى سواء السبيل، والقلوب إذا صدقت هداها الله سبحانه، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ” اهدِني لما اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنِك إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ ” (من حديثٍ رواه مسلم) .

لكل ما سبق فإن الحوار يُمثِّل سبباً إيجابياً من أسباب الوصول للحق، ومن جميل أخلاق الحوار أمور مختلفة، فمنها:

–  أن يبدأ الحوار مع مخالفه بالمتفق عليه معه، فإنما ذلك يكون فاتحاً لشهية المحاورة، ومكسباً للتقارب، ومبعداً للبغضاء والكراهية.

–  كذلك منها توضيح مناط الحوار ومناط الاختلاف ومحاوره، والاتفاق عليه، فإنه يقي من كثرة الجدل وكثرة المداراة في الكلام وطول البسط فيه.

–  ومن ذلك بيان أهم الدلائل التي تستند عليها فكرتك، وطريقة فهمها، وما تستند إليه من ذلك، فإن ذلك يُقوِّي موقفك ويريحك كثيراً أثناء المحاورة، فإن كنتَ ناقلاً فتذكر دلائل الصحة، وإن كنتَ مُدعياً لفكرة فعليك بالدليل.

–  ومنها صدق النية في الحوار، بل يتقدمها صدق النية، وأذكر ههنا قول الشافعي رحمه الله : ( وددتُ لو أن هذا العلم تعلمه الناس ولم يُنسب إلينا شىء منه ). دلالة على النقاء والشفافية وحسن النية في رجاء ثواب الله سبحانه.

–  ومن ذلك أيضاً الاتفاق على المسلَّمات والمنطلقات والثوابت، فإن ذلك ييسر الوصول للإقناع، وتعديل الفكرة المقابلة.

وبالعموم، ليس كل امرىء هو رجل الحوار، أو يصلح للحوار، فمن الخطأ أن يُدافع عن الحق من ليس بأهله، فإنه ينقصه ويقلِّل قدرِه، فالعلم شرط من شروط الحوار، وأفضل مافي ذلك التخصُّص ودقّة المعرِفة.

 

أبو ميسرة .. الشجاع المتسامح

0

المولد والنشأة :

ولد في عام 1971، في مدينة الفلوجة، وسط أسرة عرفت بالتدين والصلاح، والمشاركة في أعمال البر المختلفة في ربوع الانبار.

دخل المدرسة الإبتدائية عام 1977م، ليلتحق بالدراسة المتوسطة في عام 1983م، أكمل الدراسة الإعدادية، ودخل المعهد التقني وتخرج منه عام 1994م .

نشأ في المساجد، وتربى على مائدة القرآن الكريم حتى حفظه عن ظهر قلب، وكان كثير المراجعة بشكلٍ شبه يومي، مع اهتمام واضح بالنغم والاحكام وطريقة التلاوة .

عَرفه الناس رحمه الله بدور متميز في دورات تحفيظ القرآن بجامع التوفيق، مع رعايته للشباب وتعليمهم فرائض العبادة، مع شغف شديد في دراسة العلوم الشرعية على يد علماء الفلوجة .

وقد عرفه تلاميذه بحسن التعامل، وبشاشة الوجه، مع سؤال دائم عن كل الأخوة، حتى الذين أختلفوا معه في بعض الأمور بقي يعاملهم بالحسنى ويدعو لهم بكل خير.

دخول الدعوة :

انضم الى ركب الحركة الإسلامية في منتصف التسعينات، ونشط في المجال التربوي، فكان يهتم بالشباب ويأمل فيهم خيراً، ويحث من معه على قراءة الكتب النافعة، ونظم الكثير من السفرات الهادفة لتحبيب المشاركين فيها بالعمل لدين الله، كلٌ وفق امكانياته وطاقته .

ومن مآثره رحمه الله إجادة تشكيل الفرق الجماعية في مختلف المجالات الدعوية، كالإغاثة، ودورات تحفيظ القرآن، وفي نشاطات المسجد العامة .

جئت للصلاة فقط :

عمل الشيخ رحمه الله في مجال الصيرفة، وعرف بالتسامح  وطيبة القلب مع الآخرين، وكان كثير الحنين في التفرغ للعبادة وطلب العلم، لكن ضرورات الحياة، ومسؤولية الأسرة لا بد من مراعاتها على أكمل وجه .

وكان في اكثر الاحيان عند دخوله المسجد يسأله بعض المصلين عن سعر الصرف للدولار في البيع والشراء، فيقول لهم انا في وقت العمل صدري يضيق بالدولار واحواله، ثم  تأتون هنا لتسألوني عنه .

مسجد .. خمس نجوم :

تمتع الشهيد ابو ميسرة رحمه الله بالتنظيم والترتيب في جميع شؤونه، بما في ذلك المسجد الذي يتولى إدارته، فعمل على تخصيص اماكن لكل شيء، وذلك بأن خصص مكاناً لاستراحة المصلين، وغرفة لشؤون المسجد، مع تجهيزات كاملة لصيانة الاجهزة الصوتية والاضاءة،  ولا زال المصلون يدعون له بكل خير على هذه المبادرة الطيبة.

حماية المدينة :

عندما دخلت قوات الاحتلال الى العراق عام 2003، وعمت في البلاد الفوضى، بادر رحمه الله بجمع السلاح من قطاعات الجيش العراقي المنسحب من الوحدات العسكرية، وذلك كاجراء وقائي لحماية الفلوجة من أي اعتداء قد يحصل من قبل قوات الاحتلال آنذاك .

ولم يكن همه الجمع فحسب، بل أصبح بطلاً في مقارعة العدو الظالم، وحفزت همته العالية كثيراً من الشباب المسلم في الفلوجة، للتصدي للمشروع الاميركي في العراق .

ويقول احد الاخوة عنه ” انه كان شجاعاً لا يهاب الموت، ولطالما ترصد لارتال العدو المحتل واوقع بها الخسائر، وعندما يأتيه خبر استشهاد أحدٍ من الأخوة يقول ربي الحقني بأخوتي فقد اشتقت اليك “.

الوفاء .. صفة المؤمنين :

تعرض أبو ميسرة رحمه الله الى الملاحقة من قبل قوات الاحتلال لنشاطه المتزايد في التصدي للعدوان الذي تعرضت له المدينة، مما اضطره الى ترك بيته، والاستقرار في بغداد حتى استشهاده رحمه الله . 

وبالرغم من ذلك لم ينقطع من الدخول الى المدينة وبقي يتابع اخبارها اولاً باول، ويسعى في خدمة اهلها وخصوصاً الارامل والايتام، اضافة الى دوره الفعال في الحصول على رعايات لبعض المصابين جراء العمليات العسكرية في معركتي الفلوجة الاولى والثانية .

قصة استشهاده :

يتحدث احد الاخوة الذين شهدوا تلك الواقعة الاليمة بالقول: ( هاجمه مسلحون صبيحة يوم الاحد 5/7/2007م وهو واقف امام منزله، حيث كان يحمل احد اولاده بيده والثاني كان بقربه، فطلب من المجرمين ان يدخل اولاده الى خلف الجدار حتى لا يشاهدوا المنظر فيؤثر في نفوسهم، لكن المجرمين أبَوا الا ان يقتلوه هو واولاده، لكنه اثر حمايتهم بجسده، فاستشهد هو وارتفعت روحه الى بارئها واصيب ولديه احدهما اصابة بليغة والثاني اصيب بقدمه… حسبنا الله ونعم الوكيل ) .

فرحم الله شهيدنا المجاهد، وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفقياً .

بيـــان رقم ( 80 ) : حركة العدل والإحسان تستنكر تفجيري ساحة الطيران

0

    في الوقت الذي يتطلع فيه العراقيون إلى الإستقرار السياسي والأمني وتحقيق مطالبهم المشروعة وآمالهم بمستقبل مشرق وحياة كريمة، يأتي تفجيرا ساحة الطيران اليوم، مُوقعاً عشرات الضحايا من الأبرياء ليرتبك المشهد من جديد، مشيراً الى هشاشة الوضع الأمني وضعف إجراءات الحماية الأمنية.

    ونحن في حركة العدل والإحسان إذ نُعرب عن استنكارنا الشديد لهذه الجريمة البشعة وإدانتنا لكل من يقف وراءها، فإنّنا ندعو الحكومة وأجهزتها الأمنية الى القيام بواجبها في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية المواطنين وحفظ السلم الأهلي، والحيلولة دون الإنزلاق في دوامة العنف والإضطراب الداخلي وما يحمله من شر مستطير.

سائلين الله تعالى الرحمة للشهداء والصبر والسلوان لذويهم والشفاء العاجل للجرحى والمصابين .

اللهم احقن دماء العراقيين

ربنا اجعل هذا البلد آمناً

 

حركة العدل والإحسان في العراق

8 / جمادي الآخرة / 2442 هـ

21 / كانون الاول / 2021 م

 

حركة العدل والإحسان تنعى العلامة الدكتور عبد الرحمن علي الحجي

0

” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) “

 

   بمزيد من الرضا بقضاء الله وقدره تلقينا نبأ وفاة العلامة الاستاذ الدكتور ( عبد الرحمن علي الحجي ) أستاذ التأريخ الإسلامي وأحد دعاة الرعيل الأول للدعوة الإسلامية في العراق، عرفته المجالس والمنتديات عالماً متبحراً، قوياً في نصرة الحق، ثابتاً في المواقف، صادق الحجة والبيان.

   تشهد له مسيرته العلمية بدور كبير في خدمة التأريخ الإسلامي والأندلسي وقدم للمكتبة العربية الكثير من المؤلفات الرصينة والبحوث العلمية القيّمة، وساهم في تأسيس العديد من الكليات والأقسام في الأقطار العربية فكانت مناراً للعلم والثقافة، فجزاه الله خيراً وأجزل له المثوبة والفضل.

   وإنّنا في حركة العدل والإحسان نتقدم بخالص العزاء للشعب العراقي وأسرة الفقيد وتلامذته ومحبيه، سائلين المولى سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته ويُسكنه الفردوس الأعلى مع النّبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون

 

حركة العدل والإحسان في العراق

6 / جمادى الآخرة / 1442 هـ

19 / كانون ثاني / 2021 م

العميد الصيدلي

0

المولد والنشأة :

ولد عام 1941م بمدينة الموصل بمنطقة باب البيض وهو حي شعبي عشائري، وينتمي الشهيد الى عشيرة المولى وهي احدى العشائر العربية الكبيرة في العراق، نشأ في عائلة متواضعة كريمة النسب، محافظة على العادات والتقاليد العربية الاصيلة، في بيت عرف بالزهد والتقوى، وكان والده يعمل في اعمال البناء والترميم بصفة مقاول الا انه عاني الفقر في بعض الاحيان.

واصل مسيرته العلمية بدءاً من كتاب الجوامع، اكمل الابتدائية والثانوية والاعدادية بمدينة الموصل، ثم التحق بكلية الصيدلة في جامعة بغداد على نفقة وزارة الدفاع العراقية، وتخرج منها عام 1964م برتبة ملازم اول صيدلي، عمل في الوحدات العسكرية التابعة للجيش العراقي السابق في مجال الطب الصيدلي وتقلد عدة مناصب وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل الى رتبة عميد صيدلي.

طريق الدعوة :

انضم الى صفوف الحركة الاسلامية عام 1953م، ولعلها سنة الله التي لا تبدل، ففي نفس العام يمضي شهداء الدعوة في ارض الكنانة يتقدمهم فقيه القانون المعاصر ( عبد القادر عودة ) رحمه الله، ليدخل في العراق رجل يكمل المسيرة ويلتحق بسجل الخالدين فيما بعد، فاخذ يصول ويجول ليعلي كلمة الله ويصدح بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، يتحين الفرصة ليدخل الى قلوب الشباب المسلم.

في صفوف الجيش :

تدرج الشهيد عمر في المناصب العكرية حتى وصل لرتبة عميد في الجيش العراقي، واحيل الى التقاعد بنفس الرتبة عام 1988م بسبب توجهه الاسلامي ورفضه الانتماء للحزب الحاكم في تلك الفترة، ولكن بقي يواصل الطريق الذي تعاهد عليه فاخذ على عاتقه نشر فكر وثقافة الحركة الاسلامية فتم اعتقاله عام 1994م .

عمر محمود وهو ضابط

حركته وسخاؤه :

انعم الله سبحانه وتعالى على شهيدنا بالمال الوفير والثروة المباركة، لكنها لم تتسور الى قلبه الكبير او نفسه المنيعة، انما بقيت ثروته بين يديه يصرفها في وجوه الخير، وسخر الكثير منها لخدمة الدعوة المباركة ودعم المشاريع الخيرية كبناء المساجد وتعميرها لا سيما في القرى والارياف، ودعم الجمعيات الانسانية والاغاثية واعانة المحتاج والمعدوم، وكان رحمه الله يراعى الارامل والايتام كثيراً ويهتم بهم.

وقفات مع الشهيد :

اشتغل الشهيد عمر رحمه الله على المحور الاقتصادي والمادي، فكان دوره الاغاثي كثيراً وقد حاول بكل ما استطاع من بذل وطاقة ان يغطي مساحة من فقراء مجتمع الموصل الذي يعيش نسبة كبيرة منه تحت خط الفقر، لانه كان يعتقد ان الفقير الذي لا يكاد يجد لقمة العيش لنفسه ولاولاده قد لا يلتفت الى قبول الدعوة الاسلامية ولا ينشد الاستقامة على منهاج الكتاب والسنة، فقد يشغله شظف العيش وقلة الارزاق وحاجات الحياة الملحة عن الاستماع الى خطاب الدعوة ونصيحة المرشدين والموجهين، وعليه فلا بد من اسعاف الفقير مو جوعته وملأ جوفه حتى تجد الكلمة والدعوة والنصيحة طريقاً الى قلبه وتصحح له مسيرة حياته.

ولم يكتف الشهيد باستخدام عنصر المال والاقتصاد في دعم المشروع الاسلامي، بل كان دور القلم عنده واسعاً، فاخذ مساحة عريضة من جهده ووقته وتفكيره، فكان يرى بان القلم والكلمة المكتوبة والمقالة المنشورة هي وسائل مهمة واساسية في نهضة الامة وترشيد فكرها وعقيدتها، ويمكن نقلها بسهولة عبر الزمان والمكان وعبر المجتمعات والشعوب، فالخطابات المجونة عي وسيلة لترسيخ المعلومة وتوثيقها في ذهن الانسان وصناعة المسلم المثقف وتطوير ذهنه الى مستوى جعله صاحب قضية.

عمر محمود يلقي محاضرة

درب الشهادة :

بينما هو يؤدي واجبه في خدمة المرضى في صيدليته، اذ داهمته قوة مسلحة وقامت باختطافه الى جهة مجهولة، وكان ذلك يوم 4/3/2005 م ، وفي ذات اليوم لقيت جثته في حي الوحدة في الموصل، وقد شيع الى مثواه الاخير في اليوم التالي.

تروى امرأة رأته لحظة استشهاده عندما جاء به القتلة الى مكان اعدامه في حي الوحدة قرب مستشفى السلام، اذ كانت المرأة واقفه في شرفة بيتها وهي شاهدة على الحادث وكان الوقت قبل غروب الشمس بقليل بلحظات حيث نفذوا به الاعدام، فسمعته وهو يقول : ( مرحباً بلقاء الله )، عند لحظة الاعدام، اطلقوا عليه اربع رصاصات في وجهه ورقبته اودت بحياته فغابت روحه مع غياب الشمس، وكأن غياب الشمس كان على موعد مع غياب تلك الروح الكبيرة لتعبر تعبيراً كونياً عن غياب امثال هؤلاء الرجال العظماء عن الوجود بعد ان كانت حياتهم شمساً ونوراً تضيء الدروب للاخرين عند مفترق الطرق. … وهكذا يمضي الشهيد في موكب الخالدين ليحيا حياة الابدية في الاخرة وتبقى بصماته شاخصةً في حياة الناس.

وهكذا تحققت دعوة الشهيد عمر رحمه الله بان يلقى الله شهيداً وهو الذي طالما هتف في جماهير المسلمين الموت في سبيل الله اسمى امانينا.

جريمة الأدب

0

بقلم: عمر الخالدي

كم أفتقدُ تلك المتعة التي كنت أشعُرُ بها حالَ قراءتي الروايات والقصص الأدبية أيام الصِّبا ! كانت تجعلني ألتهمُ الكتاب التهامَ الجائعِ لفخِذِ خروفٍ مشويٍّ قُدِّمَ له على طبقٍ وقتَ الغروب بعد أن أنهَكَه العملُ نهارَ يومٍ كاملًا !

وكنتُ أعيش خيالًا بديعًا في عوالِمَ كثيرةٍ أسافر إليها مِن سريري أو مقعدي حين القراءة كطائرٍ يحُلُّ أينما شاءِ!

كنتُ أنتشي وأطرَبُ بما أجده مِن جمالٍ أعيشه في تلك اللحظات، فأنصرف حين أنصرف مِن قراءتي مرهَفَ الإحساس، مشحونًا بالمشاعرِ الإنسانية.

أما اليوم – وقد قاربتُ الثلاثين – فأقرأُ حين أقرأ وهمِّي أن أُحلِّلَ النص وأُفكِّكَ (الشيفرات)، وأبحث في النتائج عن المغزى، وأقارن الصور بالصور، وأُسقِط الأحداث على مثيلاتها في أرض أخرى، أو على واقعٍ نعيشه.. فيورثني ذلك تعبًا وثقلًا في الروح والجسم كمحاربٍ مُكرَهٍ ما بين دفعٍ وفرٍّ!

كما يورثني ذلك الأمر نكَدًا في النفس، وضيقًا في الخُلق؛ وذلك أن الإنسانَ في مِثل هذه المرحلة يحمِل الهمَّ أكثرَ، ويغرَق في حقائقَ مؤلمةٍ …

ومما يزيدُ النَّكَد والإرهاق: مواجهةُ أفكار الكتَّاب والأدباء الذين ينقص كثيرًا منهم المعرفةُ الكافية للانطلاق والصِّدق المصاحِب للحروف والبلاغة الرائدة  .

بل تجد الواحدَ منهم همُّه التقليد والتبعية، وتجد بعضَهم غارقًا في بحر السرقة الأدبية، وآخرين همُّهم الشُّهرة أو المال..

أما الأتعس والأشرُّ والأخطر مِن هؤلاء جميعًا: أولئك المبدِعون حقًّا، والمتمكِّنون مِن المعرفة، والموسوعيُّون الأدباء، لكنهم أصحابُ قلوبٍ مملوءة بالشر، وعقولٍ طافحة بالتنكُّر للمجتمع أخلاقًا وعقيدةً وسياسةً… فهم الذين يعرِفون كيف يُقَوْلِبُونَ كلَّ ذلك في قوالبَ مستساغة، بل وباهرة لدى الشرائح المتزاحمة على قراءة الأدب اليوم .

فأنتَج هذا الأدب جيلًا يقص ويلصق ما يشاء من عباراتٍ قالها مَن صوَّرهم العالم كبارًا ! جيلًا اصطدم بواقعٍ أليمٍ، فظنَّ أن الخروج منه يكون باتباع أفكارٍ ساقها له بعضُ الكتَّاب في تصوير مثالي يبدو للناظر القاصر أنها تحُلُّ كلَّ المشكلات… فصار جيلًا متنكرًا للآباء والأساتيذ والأوطان… بل متنكرًا حتى لحضارته، التي ما زال العالمُ يهتدي بهداها ! أنكَروا المسلَّماتِ العقلية بمنطقٍ مشوَّهٍ يروي شيئًا مِن عطَشِ أهوائِهم !

إنها جريمةُ أولئك الأدباء الذين زيَّنوا لهم أفكارَهم، وفصلوا لهم حياتهم، وأوهَموهم بالسَّرابِ.

إنها جريمتنا أيضًا يومَ لم نكُنْ محصَّنين بالعلمِ والمعرفة واليقين.. بل لم نكن موطِّنين أنفسَنا على طباع الخيرِ، ومروِّضين أهواءَنا على كَبْحِ جِماحها.

فهي – إذًا – جريمةٌ مشتركة، سيؤاخذ بها كل طرَف، سواء كان ذلك في الحياة الدنيا أو في الآخرة – لِمَن آمن بها، ومَن لم يؤمن.

 

 

 

 

المصدر: الالوكة