بـيـــان ( 98 ) : حول مجزرة جـبــلــة

0

   تأبى الفواجع أن تنتهي في البلد الجريح ، وتأبى الحوادث الأليمة أن تبرح قلوب العراقيين ، فهي تحل في ديارهم ليل نهار وتساكنهم في كل دار ومشوار ، وتأتي مجزرة ( جبلة ) بالأمس في هذا السياق الكارثي علامة ظاهرة على الإنفلات الأمني وروح الإجرام التي طفقت تتغلغل في أوساط المجتمع بوجوه قبيحة شتى ، تُنذر بتدمير النسيج المجتمعي وتهديد السلم الأهلي ، ما لم يتم تداركها بوسائل عملية جادة وإرادة إصلاحية صلبة ، يتعاون عليها المخلصون وتتكاتف فيها جهود الدولة والسلطات والمنظمات ، وبإسناد شعبي واعٍ يتجاوز حدود الطائفية والعنصرية المقيتة ، وفي ظل الحفاظ على القيم الانسانية وفي مقدمتها احترام الانسان وصيانة كرامته التي تكفلها الأديان والشرائع والقوانين والأعراف الدولية .

   إن المذبحة الوحشية التي تعرضت لها العوائل في ( جبلة ) تمثل صورة جديدة من العنف واستخدام السلاح المنفلت في فضّ النزاعات ، فلا ينبغي الاكتفاء إزاءها بعبارات الرفض والإدانة ، بل لا بد من وقفة حازمة ، ولا يكتفى فيها بتشكيل لجان التحقيق ما لم تصل الى نتائج حاسمة ، تكشف من خلالها خيوط الجريمة ، وتفتضح عبرها كل الجهات المشبوهة التي تقف وراءها ، ثم إنزال العقاب العادل بالمجرمين وردع الفاعلين العابثين .

   إنّنا في حركة العدل والإحسان نرفع صوتنا بالاستنكار الشديد لهذا الحادث الأليم ، وندعو بالرحمة للضحايا الأبرياء ، ونُهيب بالحكومة وأجهزتها الأمنية أن تنهض بمسؤولياتها في حفظ أمن البلاد وسلامة العباد .

 

  حركة العدل والإحسان في العراق

28 / جمادي الأولى/ 1443 هـ

1 / كانون الثاني / 2022 م

الــهُــوِيّــة

0

حركة العدل والإحسان – مكتب الفكر

تمهيد :

هذا المصطلح حادث مجمل المعنى ، لا يمكن الحكم عليه أو التعامل معه مادام على إجماله ؛ لذا لا بد من تفكيكه الى عناصره الأساسية ، ثم الحكم عليه .

 يعود أصل المصطلح الى :

  1. هوى – يهوى : أي أحب .
  2. هوى – يهوي : أي سقط من علو الى أسفل أو انحدر .
  3. الضمير ( هو ) : أي حقيقة الشيء التي تميزه عن غيره .

ومن مجموع هذه الأصول يمكن أن يكون المصطلح معبرا عن عامل الحب والجذب والانحدار ( الميل ) الى الشيء ومعرفا بحقيقته وصفاته الذاتية التي تميزه عن غيره .

 

الصبغة :

ولعل أقرب مصطلح شرعي يعبر عن هذا المفهوم هو ” الصبغة ” الوارد في قوله تعالى ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) .. قال المفسرون : صبغة الله أي دين الله ، وهو الاسلام ، [ وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب ، وهي أثر من آثار الطهارة والصلاة والعبادة ( سيماهم في وجوههم)] .

فالمقصود بالصبغة الهوية ، والهوية هي الاسلام الذي ينبغي أن يصبغ الفرد بصبغة متميزة في عقيدته ومشاعره وفكره وأهدافه وتصوراته وآماله وسلوكه وأعماله .

وهذا المصطلح ” الصبغة ” ينبغي التسويق له وتداوله في المجتمع المسلم فيكون مألوفا  ليحل محل ( الهوية ) من باب إشاعة استعمال المصطلحات الشرعية . وهذا لا يعني إلغاء أو رفض مصطلح ( الهوية ) ، بل إن استعماله الواسع في البحوث والدراسات هو المعتمد حاليا ، فلا مندوحة من التعامل به .

 

تعريف المفهوم :

الهوية : هي مجموعة العقائد والمبادئ والخصائص والسمات والترميزات التي تعبر عن كيان ينصهر فيه افراد منسجمون  بتأثير هذه الميزات والخصائص ، وتسهم في الحفاظ على وجودها من تحديات التشتت والتفكك والإقصاء.

لكل أمة هوية تحدد مكوناتها وملامحها ووظيفتها ورسالتها وتعبر عن عمق شعور أفرادها بها ، والوعي بالأسباب المبررة لوجودها أو الجامعة لصفاتها .

فهوية الأمة : هي إخبار عن حقيقتها وصفاتها الذاتية المميزة لها كما انها عامل جذب تجتمع الأمة حوله. ولكي يتحقق  وصف الهوية التي تجمع الأمة وتوحدها لابد لتلك الهوية أن تكون واحدة وقوية ومتميزة . 

 

مكونات الهوية :

إن تحديد هوية مجتمع ما يقتضي العودة إلى جملة من العناصر التي يمكن توصيفها بعناصر مادية وتاريخية وثقافية ونفسية واجتماعية ، ويمكن تصنيفها الى :

  1. عناصر : وهي مقومات الهوية المادية والتاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية ، وتتضمن : الدين ، القيم ، الفكر ، العرق ، الجغرافية ، اللغة ، الحضارة ، التاريخ ، الثقافة ، الانتماء ، وبالولاء  ، ومواجهة التحديات ، والتعايش المشترك.
  2. مظاهر يصطبغ بها المجتمع أو الأمة وتتضمن : الازياء ، الطعام ، الفن ، الأدب ، العمران ، المصطلحات ، العادات والأعراف ، طبيعة العلاقات ..

وللروافد التاريخية والجغرافية واللغوية والجمالية والثقافية المختلفة دور مهم في بناء الهوية وتمكين أصحابها من وعي ذاتهم ، ووجوه المفارقة التي تميزهم عن غيرهم . [ تجديد الوعي – د . البكار / ص 70 ] .

 

 

الهوية الاسلامية :

يدور معنى الهوية ( أو الصبغة ) الاسلامية نحو التميز الأبرز للأمة ، فالإسلام بعقائده وأركانه وأحكامه القطعية يشكل الأساس للهوية الاسلامية ، كما يشكل الإطار العام لحدود تجديد الهوية وإعادة انتاجها ،  ويتمثل ذلك بالنسبة للأمة الاسلامية بما يأتي :

  1. الوسطية .
  2. الدعوة الى الخير .
  3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
  4. الايمان بالله .

 

أهمية الوعي بالهوية :

إن الوعي بالهوية ذو أهمية بالغة في حياة الأمة وشهودها الحضاري :

  1. فتعرف الأمم والأفراد على هويتهم الخاصة يعني وعيهم بذاتهم ، ويساعد على تحديد أهدافهم وبلورة مشكلاتهم . كما يحدد موقعهم بين الأمم .
  2. يضفي قوة على النسيج المجتمعي المتمثل بالتعاون على البر والتقوى .
  3. ويعمل الاعتزاز بالهوية على استثارة عوامل النهضة في ميادين العلم والمعرفة ، والاقتصاد ، والإبداع ، والتطوير والترقي الحضاري .

 

 دعائم المفهوم :

يقوم مفهوم الصبغة ( الهوية ) على دعائم أهمها :

  1. الولاء : ويعني المحبة والمودة والقرب ، وهو من اعمال القلوب ولكن تظهر مقتضياته على اللسان والجوارح ، كالنصرة والأنس والمعاونة .
  2. الانتماء : وهو الارتباط بالكيان ، وبترسيخ مفهومه عند الأفراد والجماعات تتعزز الهوية .
  3. الاخوة : أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة ، فهي أوثق الروابط وأعلاها .
  4. الشعور بالتميز والاستقلالية : فقد حرم الاسلام كل اشكال التبعية لغير المسلمين ، وهذا لا يعني حرمة الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم الناجحة .

 

المحافظة على الهوية : من خلال

  1. العقيدة الصحيحة والشعائر الاسلامية : متمثلة بالإيمان بعقيدة الأمة والإعتزاز بالإنتماء اليها وإبراز الشعائر الاسلامية والتمسك بها .
  2. احترام قيمها الحضارية والثقافية : الوسطية ، الدعوة الى الخير ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحلي بالأخلاق السامية
  3. استعادة ذاكرة التاريخ للوقوف على تاريخ الحضارة الاسلامية والمفاخرة بصفحاته المشرقة .
  4. تطوير المعارف والمحافظة على اللغة العربية .
  5. التحذير من التشبه بالمشركين ( من تشبه بقوم فهو منهم ) .
  6. التحذير من مخططات التشويه والطمس : المتمثلة بالغزو الفكري ، وتقليد المحتل ، والإغراء بالنماذج الشاذة .
  7. الاستعانة بإعلام اسلامي متخصص ومساير للعصر ولروح الشريعة .

 

أزمة الهوية :

يقول الدكتور عبدالكريم البكار :

[ إذا لمحنا في هويتنا الاسلامية أثر الأصول والثوابت الاسلامية ، ولمحنا اثر الجهد البشري في إبداع الصيغ الجديدة لتجليات الهوية ، استطعنا القول : إن تهميش الثقافة الاسلامية الأصيلة في كثير من بلاد المسلمين أدى الى ضعف إحساس الأجيال الجديدة بهويتهم ، واضعف حساسياتهم تجاه الوافدات الجديدة ، مما سهل على القوى الثقافية القاهرة اختراق العديد من جوانب ثقافتنا ، وجعل الشعور بخصوصيتنا الثقافية موضع تساؤل .

 ومن وجه آخر ، فإن دخول الأمة في مرحلة التراجع الحضاري سوف يعني الكف عن تجديد الهوية وبعثها وإعادة انتاجها ، مما يحولها الى اشياء يتم تلقينها للناس دون ان تعني لهم الكثير ، فهي لا تحركهم الى خير ، ولا تردعهم عن شر .. وبذلك تتحول الى عبء على الذاكرة ] . تجديد الوعي / ص 73 .

 

الأسباب :

ولأزمة الهوية أسباب رئيسة ، تكاد تنحصر في محورين أساسيين هما :

  1. حين تشعر الأمة بوجود هوة كبيرة فاصلة بين قيمها وسلوكها ( الفجوة بين المثال والواقع ) .
  2. حين تقارن الأمة حالها بحال غيرها من الأمم .

الحل :

 إن الهوية بحاجة الى تجديد مستمر يبلور مفرداتها ويدفعها نحو التجسيد والتحقق بما يضفي عليها من خصوصية مشاعر الأمة ومفاهيمها .

إن حل أزمة الهوية لا يكون إلا من خلال :

  1. إعادة تنظيم حياتنا الشعورية والأخلاقية والعقلية في ضوء ثوابت المنهج الاسلامي الأقوم .
  2. تحقيق درجة من الندية للأمم الأخرى في مجالات الانتاج الحضاري كافة .

ومن غير هذا وذاك ستكون الشكوى من تأزم الهوية مضيعة للوقت والجهد . [ تجديد الوعي / ص 75 ] .

 

بـيـــان ( 97 ) : اليوم العالمي للغة العربية

0

   اللغة العربية الجميلة ، حُقّ لها أن تحتفي الأمم المتحدة بيومها العالمي ، وأن يحتفل العالم بمكانتها بين اللغات ، فهي أغنى اللغات ، وبلغت بفضل القرآن الكريم من الاتساع والانتشار مدى واسعا لا تعرفه أي لغة أخرى ..

لغة ٌحَباها اللهُ حرفا خالدا        فتضوّعت عَبقا على الأكوان

 أنها لغة الكتاب الخالد ، تستمد علوها وعلياءها من كلمات الله التي لا تنفد ، واكتسبت رونقها وبهاءها من آيات خطاب الرب الجليل لعباده ، إنها لغة الشعائر والمشاعر ، لغة الحضارة والانجاز ، لغة الفن والجمال ، خلدتها آيات جمالية رائعة تأسر القلوب وتخلب الألباب في الشعر والنثر والعلوم والآداب ..

أنا البحرُ في أحشائهِ الدّرُّ كامنٌ         فهل سألوا الغواصَ عن صَدفاتي

وسِعتُ كتابَ اللهِ لفظا وغايةً         وما ضِقتُ عن آيٍ بهِ وعِظاتِ

ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية هذا العام تحت شعار ( اللغة العربية والتواصل الحضاري ) للتعبير عن الدور الأمثل الذي تؤديه هذه اللغة الحسناء في مد جسور التواصل بين الشعوب عبر منابر الثقافة والعلم والأدب ، والدور التاريخي في استحداث المعارف وتناقلها ، وقناة الارتقاء بالحوار وإثراء خطاب السلم والسلام لا تحدها حدود الزمان والمكان ..

للهِ درُّ لسانِ الضاد منزلةً    فيها الهدى والندى والعلمُ ما كانا

وإننا إذ نحتفل بهذا اليوم الجميل نؤكد على ان اللغة ليست تراثا نفخر به وحسب ، بل هي الهوية التي تمتاز بها الأمة وركن من أركان التنوع الثقافي البشري ، يحفظ خصوصيتها ، باعتبارها إحدى اللغات الحية الأكثر انتشارا في العالم ، ما يتطلب منا إذكاء الوعي بأهميتها وتاريخها ، والحفاظ على سلامتها ، والاعتزاز بالانتماء اليها ، وهذا شأن كبير ينبغي أن تضطلع به المدارس والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام ، ويتولاه المجتمع عملا بالوصية العمرية ( تعلموا العربية فإنها من دينكم ) ، ولا يجوز التخلف عن هذه المهمة فتضيع بصمة الأمة  :

أيَهجرُني قومي ، عفا اللهُ عنهم          الى لغةٍ لم تتصّل برُواةِ

ويقع على عاتق مجامع اللغة العربية دور هام في رصد استخدامها لغة للعلم ونقل المعلومات وتدقيقها وتوثيقها وبيان قدرتها على التواصل الحضاري عبر امتداد الأجيال ، والتأكيد على دور القرآن في حفظ العربية ونشرها وانتشارها ، والوقوف بوجه دعوات التغريب والعولمة الثقافية بكل أشكالها .

  

حركة العدل والإحسان في العراق

14 / جمادي الأولى/ 1443 هـ

18 / كانون الأول / 2021 م

 

بـيـــان ( 96 )

0

   لله درّك يا شعب العراق ، تغفو وتصحو على وقع أحداث أليمة وكوارث جسيمة ، تتوزّع على الأرجاء وتطال كل الأنحاء ، والمعضلة الكأداء تكمن في التراجع الأمني والصراع السياسي والفساد متعدد الألوان والصفحات .

   فقد شهدت الأيام الاخيرة تصعيداً خطيراً في استهداف المدن والقرى بالهجمات المسلحة والتفجيرات الارهابية التي تعرضت لها كركوك ومخمور والبصرة ، راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى ، في خرق أمني مزمن وعجز حكومي سافِر عن التصدي للمجرمين والخارجين عن القانون .

   وفي الوقت الذي نؤكد فيه ادانتنا واستنكارنا لكل الجرائم التي تُقترف بحق الشعب والوطن ، فإنّنا نُهيب بالحكومة والسلطات الأمنية أن تقوم بواجباتها وتتحمل مسؤولياتها في حفظ الأمن والضرب بشدة على أيدي العابثين والارهابيين والكشف عمن يقف وراءهم ويساندهم .

   نسأل الله تعالى الرحمة للشهداء ، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين ، والأمن والسلام للعراق والعراقيين .

    

 حركة العدل والإحسان في العراق

3 / جمادي الأولى/ 1443 هـ

7 / كانون الأول / 2021 م

المجلس الاستشاري الأعلى يعقد اجتماعه الفصلي الأخير

0

عقد المجلس الاستشاري الأعلى في حركة العدل والإحسان اجتماعه الفصلي الأخير من العام الجاري 2021 .

الاجتماع الذي عُقد على القاعة المركزية للحركة يوم الخميس 2/12/2021 استهل بتلاوة آيات من كتاب الله العزيز ، تلاها كلمة افتتاحية لرئيس المجلس عرض فيها برنامج الاجتماع الذي من المقرر أن يستمر لثلاثة أيام .

كلمة رئيس الحركة الدكتور إسماعيل النجم عرض فيها بشكل تفصيلي منجزات الأقسام والمكاتب الإدارية خلال الأربعة أشهر الماضية وما تحقق من أهداف مرسومة للدورة الحالية.

وقد استضاف المجلس الاستاذ منذر التكريتي الذي ألقى كلمةً عن أهل السابقة وروادها ودورهم البارز في الحركة .

الحرية في الفكر الإسلامي

0

حركة العدل والإحسان – مكتب الفكر

 

المفهوم والتأصيل :

بدءً يعلن الإسلام أن لا تساوي بين من يتمتع بالحرية ويعيش بها وبين من سلبت منه الحرية ، ويعد ذلك من أساسيات العلم التي تقوم عليها الحياة ، وعلى طريقة القرآن في ضرب الأمثال للناس؛ لإيضاح المفاهيم الضرورية ، مستخدما إثارة وتحفيز أدوات الفكر، وإعمال العقل ضرب مثلاً في سورة النحل، يعبر عن الأهمية القصوى لقيمة الحرية في مسيرة الناس ، فقال تعالى : ” ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون” (النحل 75)

فالحرية والعقل هما مناط المسؤولية والتكليف – كما يقول الأصوليون –  وذلك أثر لتكريم الله للإنسان “ولقد كرمنا بني آدم” الآية. هذا التكريم يجعل للفعل الإنساني قصدا قائما على الاختيار بين عبادة الله عن وعي وإرادة ، وبين التمرد.

وهنا ينتفي التعارض الظاهري بين الدين والحرية ، بل تصبح الحرية – كالعقل –  شرطا للتدين في حد ذاته. والتدين الصحيح يعززهما ويرتقي بهما، فوق مستوى الضرورة ،  فيكون  مقدار ما يتمتع به الانسان من الحرية  بحسب عبوديته وعلمه ومقدارهما عنده .

 

التصور الاسلامي للحرية :

قال تعالى مبيّنا لعباده طريق الرشد من الغي “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” الآية. وقال مصوبا لنبيه الحزين على إعراض قومه “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” الآية.  فما يفقد الأعمال “الإسلامية” كالصلاة والزكاة والجهاد والتحجب – بالنسبة للمرأة – كل قيمتها عند الله أن لا تكون صادرة عن إرادة واعية حرة مسؤولة تبتغي مرضاة الله.

  1. الحرية قيمة عليا في الفكر الإسلامي: بيد أن الارتفاع بالقيم الإنسانية الأساسية ، وعلى رأسها الحرية من مستوى الحقوق للإنسان ، إلى مستوى التكليف أو الالتزام أو الشرط لاكتمال إنسانية الإنسان يجعل الحرية من أبرز مقاصد وقيم الإسلام ، ويسلب مصداقية أية دعاوى باسم الشرع تروّج لسلب حرية الإنسان – أي إنسان – أو التغوّل عليها، أو تقييدها، أو التنازل عنها، أو حتى القعود عن سبيل تحصيلها، باعتبارها مجرد حق يمكن التنازل عنه في مقابل تمجيد الاستقرار والسكون أو تكريس مفهوم الطاعة للسلطة . لذا عمد الاسلام الى تحرير الانسان من كل سلطان جائر ومن  أنواع السلطة التي حرر القرآن منها المؤمنين به في ميدان الاعتقاد والعمل الصالح سلطة الآباء ، وسلطة الملأ ، وسلطة الفرعون ، وسلطة الجماعات  التي تنزل مسؤوليها منزلة إمامة المسلمين في  السمع والطاعة ، فالطاعة في الشرع تأتي تبعا لطاعة الله ، والطاعة المطلوبة في الحركات الإسلامية طاعة واعية على بصيرة ، كما حرر القرآن الكريم الإنسان من سلطة الهوى التي تجنح الى إيثار السلامة والخضوع وترك السعي لتحصيل الكرامة والمساواة والحرية  ، ولو استدعى الأمر الهجرة في أرض الله الواسعة .
  1. الحرية في الإسلام هي الخضوع الواعي لنواميس الكون والشرع : إنها ليست استباحة : افعلوا ما تمليه عليكم رغائبكم ، فتلك “حرية الحيوان”، وإنما افعلوا الواجب الذي أمركم الله به تتحرروا من أهوائكم ومن تسلط بعضكم على بعض .
  2. الإسلام ثورة تحريرية شاملة : إن الحرية كالشورى لا تستمد من مجرد نص جزئي، باعتبارها مقصدا كليا من مقاصد الشريعة الخمس : حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال ، [ وأضاف إليها الأصولي الفقيه الكبير ابن عاشور مقصد الحرية والعدل (كتاب مقاصد الشريعة) ] ، بما يوجب أن تكون الأمة حرة ، ليس بشكل جزئي ولكن في كل جوانب حياتها، إذ تسقط كل تكاليف الشرع في غياب العقل والحرية والعلم. وفي الحديث : “إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث :  الخطأ والنسيان والإكراه”، أخرجه وصححه ابن حبان. وفي سورة الأعراف الآية 157 يحدد القرآن مهام النبي عليه السلام في أنه: “يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم”، فالدين جاء لكسر الأغلال التي تكبل النفوس والعقول والأجساد وتفرض استعباد الإنسان لأخيه الإنسان تحت أي مبرر.

التطبيقات :

  1. ويبدو أن هذا المفهوم – رغم غياب كلمة الحرية من مفردات القرآن – كان غاية في الوضوح في ذهن الرعيل الأول من المسلمين ، كما يظهر ذلك في قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ويتضح الأمر بجلاء في قول عمر رضي الله عنه : “متى استعبدتم الناس ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”. كما نلمح ذات التوجه في قصة ربعي بن عامر مع رستم ببلاد الفرس ، حين سأله رستم عن دوافع مجيء العرب لقتال الفرس؟ فأجابه ربعي: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة” الحرية إذن هي فريضة وواجب والتزام وتكليف قبل أن تكون حقًّا، والمسئولية عن نشرها وتوفيرها وحمايتها يدخل ضمن واجبات الإنسان المكلّف .
  2. الإسلام دعوة للحرية وللتحرير , ولم يخطئ القول أكبر المنظّرين في الإسلام المعاصر أبو الأعلى المودودي وسيد قطب رحمهما الله تعالى إذ عرّفا الإسلام بأنه ثورة تحررية شاملة ، تنطلق من أعماق النفس والعقل والإرادة لتمتد إلى كل ركن من أركان الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فعلا حرا إيجابيا فرديا وجماعيا لا يعرف إليه القنوط والإحباط سبيلا. قال تعالى “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” الآية، وفعلا تحريريا جهاديا ضد تسلط الفراعين والقوارين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “استعن بالله ولا تعجز” أخرجه مسلم.
  3. وتحوم حول هذه المعاني جملة مواقف مفكري الإسلام من الحرية ، ومن ذلك ما ذهب إليه الأستاذ الفاسي، من أن الحرية “جُعلٌ قانوني، وليس حقًا طبيعيًا، فما كان الإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي.. وأن الإنسان لم يخلق حرًا، وإنما ليكون حرًا” بقدر خضوعه لشرع الله ، إن الحرية كدح ونضال في طريق العبودية لله ، وليست انطلاقًا حيوانيًا.
  4. ولقد تعجب الأستاذ الفاسي في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”، كيف أن علماء الإسلام لم يتفطنوا في آية البينة ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (( إلى هذا المعنى اللطيف: أنه لا سبيل إلى الانفكاك والتحرر إلا بمنهج العبودية لله ، منهج التكاليف ، الأمر الذي يجعل الحرية خلقًا ذاتيًا، تتجلى آثاره في أعمال الإنسان الصادرة عن شعوره بالتكليف ، إن الإنسان الجدير بصفة الحر هو المؤمن بالله.. وإن التكليف هو أساس الحرية وعلامتها )).

مفهوم خاطيء :

الحرية وعقيدة القضاء والقدر: ومما سبب ركود الحركة في مسيرة المسلمين  تفشى عقائد الجبر المتخفية في عقيدة “القضاء والقدر” ، حتى إذا ظهرت الحركة الإصلاحية منذ زهاء قرنين تصدت لها وللثقافة الأغنوصية الصوفية السائدة ، مثبتة للإنسان إرادة حقيقية ومسؤولية عن مصيره ، وذلك إحياء لمعاني القدر التي تعامل معها الجيل الأول ، في النظر إلى القدر باعتباره إرادة الله عز وجل متجلية في هذا النظام الكوني العقلاني والشرعي الدقيق ، القمِن بضمان سعادة الناس في الدنيا والآخرة إذا فقهوا وأحسنوا التعامل معه وفق الشرائع . وكان من المساعي الأساسية للحركة الإصلاحية منذ قرنين استعادة الفعالية الإسلامية المشلولة وذلك بتخليصها من العوائق التي تكبلها ومنها عقائد الجبر المستندة إلى فهم سقيم لعقائد القدر.

يقول المصلح الكبير محمد إقبال : ” المسلم الضعيف يعتذر بالقضاء والقدر، والمسلم القوي هو قضاء الله وقدره”.

حدود وضوابط :

وحين نتحدث عن الحرية ينبغي أن لا نذهب بعيدا في إقرار ” الحرية المطلقة ” للإنسان ، فإن ذلك لا وجود له في أي مجتمع أو كيان تضبطه منظومة قيمية ..بل إن للحرية في كل مجتمع وأي نظام ضوابط يجب الالتزام بها ، وحدودا لا يسمح بالخروج عنها .. وعليه فلا ينبغي التوسع في فهم بعض الآيات والأحكام الشرعية المتعلقة بالحرية لتتحول الى حريات منفلتة لا حدود لها .. ومن ذلك :

  • ( لا إكراه في الدين ) .. ومعناها : [ أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الاسلام فإنه بيّن واضح جلي .. ] ، وهذا المعنى لا دلالة له على إباحة نشر أهل الكتاب لدينهم أو إباحة نشر الإلحاد ؛ ذلك ان ترك الانسان لاختياره في البقاء على دينه ومنع اكراهه على الاسلام انما ليتحمل نتيجة قراره يوم الدين ..
  • ومن هذه الضوابط ، ما ذكره الدكتور عبدالكريم زيدان – رحمه الله – ما نصه : [ إلا أنه ليس لهم أن يسيئوا استعمال هذه الحرية أو حرية إبداء الرأي فيقوموا – مثلا – بالتجوال في انحاء الدولة الاسلامية لحمل المسلمين على الردة عن الاسلام بحجة التعليم أو ابداء الرأي ؛ لأن الردة جريمة في نظر الاسلام ولا تجوز المساهمة في وقوع الجريمة . لكن لهم – على ما نرى – إبداء محاسن دينهم والمجادلة مع غيرهم بالحسنى ] – أحكام الذميين والمستأمنين ص 101 .
  • وفي هذا السياق يقرر الدكتور يوسف القرضاوي أن [ هناك مجموعة من المبادئ والقيم تعارف الناس عليها : أن تظل مصونة محصنة ، وهي تمثل الثوابت للأمة ، فلا يجوز اختراقها أو التعدي عليها أو العبث بها ، وإلا تعرضت الأمة للخطر لإنها أصيبت في جذورها وفي هويتها وجوهر وجودها ] .

الواجبات :

إن الحرية في التصور الإسلامي أمانة ، أي مسؤولية ، ووعي بالحق ، والتزام به ، وإخلاص في طلبه ، وتضحية من أجله ، تبلغ حد الاستشهاد .. نعم إن الحرية بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار، أو هي فطرة ، فقد اختصنا الله بخلقة تملك القدرة على فعل الخير والشر، والسير في أكثر من اتجاه.. وكانت تلك مسؤولية ، أما بالمعنى الأخلاقي أو التشريعي فهي “تكيّف” حسب عبارة الأصوليين ،.

 

الحرية : أن نمارس مسؤوليتنا ممارسة إيجابية ، أن نفعل الواجب طوعًا .. بإتيان الأمر واجتناب النهي ، فنستحق درجة خلفاء في الأرض ومن أولياء الله الصالحين .

 

استدراك

ان الحديث عن الحرية له اعتباران :

الأول ، يتعلق بالمكانة الاجتماعية للفرد ، وعلى ذلك فهو يصنف الى إنسان ( حر ) او ( عبد / رقيق ) ، وهذا التصنيف لا يسقط معه التكليف الشرعي عنهما بهذا الوصف ، فهما في ذلك سواء ، عدا ما يختص باحدهما من احكام دون الآخر . أي أن الرق ليس مانعا من التكليف .

الثاني ، يتعلق بالجانب الفكري الذي يتمتع به الانسان ، والذي يعني امكانية أو قدرة الفرد على اتخاذ القرار أو تحديد خيار من عدة خيارات متاحة دون أي شكل من أشكال الإجبار أو الضغط أو الاشتراطات والقيود . فالانسان بذلك إما يمتلك حريته – بجوانبها المتعددة –  فهو مكلف ومسؤول عن تصرفاته فيثاب ويعاقب بحسب أدائه للتكليف الشرعي .. أو لا يمتلك هذا الحق ( تحت الإكراه أو الإضطهاد أو الاستبداد … ) . وهذا التصنيف يتعلق به التكليف الشرعي : وجودا أو عدما ، بمعنى أن حرية القرار المصادرة بالإكراه مانعة من التكليف ، كما أن اداء التكاليف ممن سلب الحرية – تحت أي ظرف – أو عدم قناعته فإن فعله وإن أسقط جانب التكليف في الظاهر ، إلا أن ما يترتب على فعله من الجزاء يسقط ، ولا فائدة منها تعود عليه في الآخرة .

وعلى ذلك يفهم ما ورد في المنشور من ان ( الحرية والعقل هما مناط المسؤولية والتكليف … ) ، فالمقصود بالحرية – هنا – الاعتبار الثاني الذي يعد شرطا للتدين الصحيح ، وهذا هو ذات المعنى الذي يتعلق به ما جاء في المنشور من أن ( ما يفقد الأعمال الاسلامية – أي التكليفات – كالصلاة والزكاة والجهاد والتحجب – بالنسبة للمرأة – كل قيمتها عند الله أن لا تكون صادرة عن ارادة واعية حرة مسؤولة تبتغي مرضاة الله ) .

حركة العدل والإحسان تنعى فقيد الحركة الاسلامية في العراق الدكتور نعمان السامرائي رحمه الله

0

”  وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بأجل مسمّى  ”  

   الحمد لله الذي تفرد بالعزة والبقاء ، وكتب على المخلوقات الموت والفناء ، فقال ( كل من عليها فان . ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ، بمشاعر الايمان والرضا ، وببالغ الحزن والأسى تنعـى حـركة العـدل والإحسـان فقيد الحركة الاسلامية في العراق وأبرز قادتهـا الأوائـل الاستـاذ الدكتـور ( نعمان عبد الرزاق السامرائي ) وقد لبى نداء ربه تعالى ، مغفوراً له  – بإذنه عز وجل – بعد عمر مبارك في العبادة والاستقامة والصلاح والدعوة الى الخير.

كفى السماء نجومٌ لا عِداد لها        وليس يُكسف إلا الشمس والقمر

إن الكلمات لتعجز عن البيان في رثاء الفقيد الغالي وإيفائه حقه بذكر سيرته الوضّاءة ومسيرته الجليلة في ميادين العلم والفكر والسياسة والفقه والتاريخ ، وفي صروح التربية والتعليم والجامعات والجمعيات ، وفي التأليف والدراسات ، فهو – رحمه الله تعالى – موسوعة ثرّة في كل شأن ورائد مبدع في كل فن ، وإسمه اللامع ونشاطه البارز مرسوم في الطليعة والأوائل في تاريخ الحركة الاسلامية : فهو عضو في أول تنظيم طلابي ، ومن الرعيل الأول في جمعية الأخوة الاسلامية وأحد قادتها ، وهو مؤسس الحزب الاسلامي العراقي وأمينه العام الأول، قاد الحزب في أحلك الظروف بخطى رشيدة وانجازات مشهودة ومواقف شجاعة مشرفة على كل الأصعدة ، قارع فيها الظلم والاستبداد وحارب التطرف والإلحاد ، وكانت له في ذلك صولات وجولات ، ستبقى ذكراها تسري في جسد الأمة وروحها ، حاملة عبق الحياة الطيبة والغاية النبيلة والجهد المبارك .

اللهم هذا شيخنا وحبيبنا – أبا المنذر – قد حلّ في وفادتك فأكرم وفادته واكتبه في الصالحين الأخيار  والمصلحين الأبرار، وأحلّه دار المقامة من فضلك ، لا يمسه فيها نصب ولا يمسه فيها لغوب ، وألهم أهله وذويه وإخوانه ومحبيه الصبر والاحتساب والتعاون على البر والتقوى .

اللهم اغفر لنا وله ، ولا تفتنا بعده

وإنّا لله وإنا اليه راجعون

حركة العدل والإحسان في العراق

20 / ربيع الآخر / 1443 هـ

25 / تشرين الثاني / 2021 م

بـيـــان ( 95 )

0

    في الوقت الذي يتطلع فيه العراقيون الى بارقة أمل لحل مشكلة نتائج الانتخابات والبدء في تشكيل مجلس النواب والحكومة الجديدة في خطوة لإستهلال عهد جديد يسوده الأمن والاستقرار والازدهار ، نُفاجأ بالتصعيد الكبير في استهداف محل إقامة السيد رئيس مجلس الوزراء وتعرضه لمحاولة الاغتيال الفاشلة ، والتي كادت أن تُشعل فتيل فتنة كبرى ، تُثخن الجراح وتُدخل البلاد في دوامة عنف مريرة وآلام خطيرة .

    وإذ يأتي هذا الحدث في سياق متصل مع الأحداث الدامية التي شهدتها المقدادية وقراها ، فإنّها تُشير الى ذات الأيدي الاجرامية الخبيثة التي تستخدم السلاح المنفلت وتلوح به لفرض واقع مأزوم ، يهدد أمن العراق واهله .

    ونحن في حركة العدل والإحسان اذ نُعرب عن استنكارنا الشديد لما تعرض له السيد مصطفى الكاظمي ونعده عدوانا على الدولة وسيادتها ، فإنّنا نشجب وندين سياسة العنف ولَيّ الذراع في التعامل بين أبناء البلد الواحد ومكونات الأمة الواحدة ، نحذر من السقوط في اتون الانفلات والخروج على القانون ، وندعو الجميع الى التحلي بالحكمة والنظر الى مصلحة الشعب الذي لا زال ينتظر الكثير لبناء حاضر ومستقبل اجياله بسلام .

 

حركة العدل والإحسان في العراق

2 / ربـيـع الآخـر/ 1443 هـ

7 / تشرين الثاني / 2021 م

حركة العدل والإحسان تنعى الأخ المربي مهدي صالح – رحمه الله –

0

” أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ”

بقلوب مفعمة بالرضا بقضاء الله وقدره تلقينا النبأ الأليم ، وبمشاعر الحزن والأسى تنعى حركة العدل والإحسان فقيدها الراحل وعلماً من أعلامها الرواحل ، المربي العامل الفاضل الأخ ( مهدي صالح ) بعد رحلة من الصبر والبلوى والمرض العضال ، نحسبها سبباً له في رفع الدرجات وبلوغ عالي المقامات .

لقد غربت برحيله – رحمه الله تعالى – شمس من شموس التربية الإيمانية والدعوة الربانية والحلقات القرآنية استضاءت بها مساجد نينوى وسوح العمل الإسلامي في الموصل وقرأها علماً وهدايةً ردحاً من الزمن ، شاهدة له على الإخلاص والإستقامة ، في مسيرة من العطاء لا ينضب والدفاع عن الحق لا يتردد ، ملك القلوب بحسن المعشر والوجه المشرق وطيب القول والمُحيّا الذي عُرف به ، فكان خير ممثل لدعوته ، ونعم القدوة لإخوته ، فجزاه الله خيرا وأجزل له المثوبة ( ونعم أجر العاملين ) .

اللهم هذا حبيبنا أبا عبد الرحمن في ضيافتك فأكرم وفادته وتقبله بقبول حسن وتغمده بالرحمة والمغفرة والإحسان ، واجعل قبره روضة من رياض الجنان ، وامنن عليه بمقعد صدق عندك يا مليك يا كريم يا منان ، وألهم أهله وذويه وأحبابه وإخوانه الصبر الجميل واكتب لهم أجر المحتسبين .

 

وإنّا لله وإنا اليه راجعون

 

حركة العدل والإحسان في العراق

26 / ربيع الأول / 1443 هـ

1 / تشرين الثاني / 2021 م

الاحتفال بجدارة

0

بقلم / الدكتور منير السامرائي

في موسم الاحتفال بذكرى مولد سيد الكائنات وخاتم النبيين والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي لنا أن نكون جديرين بالمشاركة في هذا الاحتفال المهيب ، تلك الجدارة لا تتأتى من المظاهر والطقوس التي تزدان بها المحافل والمهرجانات ، بل من الارتباط الروحي والربط القلبي الذي يشدنا اليه صلى الله عليه وسلم ، من خلال الوعي والبصيرة بالمهمة التي جاء بها والرسالة التي حملها لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة .

فإن كنا قد شهدنا ذلك الدور في سيرته عليه الصلاة والسلام ، فإننا مطالبون كذلك أن نكون شهودا على هذا الدور الرسالي من بعده ، لنكون في عداد اولئك الذين دعوا الله ان يكتبهم مع الشاهدين .. ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) ، فذلك كتاب يهفو اليه الحريصون ، ويتنافس على صفحاته المتنافسون .

ولكن ، كيف نكون ( مع الشاهدين ) ؟ هل يكفي في ذلك أن نتغنى بمآثر النبي صلى الله عليه وسلم ومناقب أصحابه ، والتباهي بالاسلام وأمجاده ؟ ، أوأن نؤجج المشاعر بحبه صلى الله عليه وسلم والتعلق بأوصافه الشريفة وإنشاد القصائد بمدحه والثناء عليه ؟ إن ذلك كله – ومثله معه – لا يغني شيئا ما لم يكن محفزا لنهضة الأمة وحاديا للركب في مسيرة الاصلاح ودليل عمل للشهود الحضاري المطلوب من المسلمين أن يكونوا عليه ، فتلك هي الرسالة وهذا هو مضمونها .

وللمقاربة . دعونا نعيش في أجواء الآية الكريمة ، نتلمس عبر كلماتها النيرة السبيل لنكون  ( مع الشاهدين ) . غير بعيد ، بل سرعان ما تستبين لنا جادتا السبيل : إنهما ( أمنا بما أنزلت ) ، ( واتبعنا الرسول ) ..فالإيمان أولا ، فهو أس الأمر وأساسه . ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين أمنوا .. ) ، ثم على هذا الأساس يقوم العمل ، وعماده الاتباع .. اتباع الرسول ، في الغاية والمنهج ، في الحقيقة والطريقة ..

فإذا اكتملت منظومة الايمان والعمل الصالح أصبحت الجادة ممهدة لبلوغ موكب الشاهدين ، وحينئذ نكون جديرين أن نحتفل ونحتفي بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ، ونفرح بهذه المناسبة المباركة ، بل وأي مناسبة من مناسبات الاسلام ، ويتحقق المقصد الأسنى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) .. فتلك معادلة المحبة بين الله وعباده ، لا تتحقق إلا عبر اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم .. فهل من مشمر ؟؟