رمضان .. طوفان الخير

0
201

بقلم : أبو أسامة الدلوش

مقدمة ..

ها هو رمضان طرق الأبواب والأنحاء، وشاعت بركاته في الأجواء والأرجاء .. ليعلن انطلاقة موسم جديد، تتجدد فيه الأرواح وتتألق النفوس وتتأنق القلوب استعداداً لحياة طيبة في أيام مباركة، تستشف من عبيرها الدروس والعبر، ويستدق فيها الزمن وتتقاصر أيامه ولياليه ،فيجتهد المجدّون في اغتنام الفرصة والفوز بالغنائم الجليلة والترقي بين ( لعلكم تتقون ) و ( ولعلكم تشكرون ).

مقاربة رمضانية ..

أرأيت إلى الخير كيف يتسع وتمتد آثاره إلى الآماد البعيدة والأزمان المتطاولة وأنت تقرأ ( من صام يوماً في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً ) ؟؟ ثم أرأيت إلى ” الخير” كيف يختزل مساره ليتركز في بؤرة زمنية صغيرة صغيرة ؟؟ هي ليلة ، مهما طالت فلا تعدو أن تكون ساعات قليلة.. لكنها ثقيلة ثقيلة .. إنها ( خير من ألف شهر ).. ألف شهر ؟! نعم ، بل تزيد .. فلا عجب فإنه الكرم الإلهي السابغ والعطاء الرحماني البالغ، لا يحدّه شيء ولا يحصيه العادّون؛ إذ إنه عطاء غير مجذوذ.

هذه المقاربة ستفتح الباب أمامك واسعاً لتدرك معاني كبيرة لمفهوم العمل في ما يمكن أن نسميه ” العمل المضغوط ” الذي يتعاظم أثره ضمن معيارية الجودة ” إيماناً ” و ” احتساباً ” .. وأبعاد الزمن في ما يمكن أن نسميه ” الزمن المضغوط ” الذي يتسع افقه للإنجاز ويتوسع ضمن معيارية التقييس النوعي بإحداثيات ” البركة ” و ” الإحسان ” ..هذا ميدان فسيح يزخر بالفرص المضغوطة والقربات المكثفة ، تتجمل بها الحياة وتتفجر فيها الطاقات ، فتكسب الجزاء الأوفى .. إلا إنها تتطلب منا ( تطبيقاً ) لفك المستندات المضغوطة ، لنجد قائمة طويلة من تلك الأعمال والأزمان التي تختزن في طياتها آثاراً مديدة ،وأجوراً مضاعفة مزيدة .. إليك طائفة منها :

  • التهليل : فإن ( لا إله إلا الله ) أثقل شيء في الميزان .. و [ حديث البطاقة ] دليل ساطع ، فقد طاشت السجلات وثقلت بطاقة التوحيد .
  • حسن الخلق : فـ (ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق ، وإن صاحب الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة ) – رواه الترمذي .
  • ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده )
  • ( الحمد لله تملأ الميزان )
  • ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من ذلك من أجورهم شيئاً )
  • (تبسمك في وجه أخيك صدقة )
  • ( ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )
  • ( أتقوا النار ولو بشق تمرة )
  • ( ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أعتكف في هذا المسجد شهرا ) – يعني مسجد المدينة.
  • اتباع الجنائز : ( من تبع جنازة حتى يصلى عليها ويفرغ منها فله قيراطان ، ومن تبعها حتى يصلى عليها فله قيراط .والذي نفس محمد بيده لهو أثقل في ميزانه من أحد ) – رواه الإمام أحمد .
  • ومثل ذلك كثير ..

اغتنم الفرصة ..

تصور-  أخي الكريم – أن في تقدير الله لك أن تعيش ألف شهر، وهو عمرك الذي ستسأل عنه : فيم أفنيته؟ .. فحري بك أن تضع خطة محكمة للعمل وأداء التكليفات ، ولاشك إنها خطة تستوعب العمر بأشهره الألف ، لتجد نفسك أمام كم هائل من الواجبات تتزاحم في أدائها على الأيام والساعات ، لعلك تنال بها أعلى الدرجات .. فإذا قيل لك أن هذه الألفية قد ” ضغطت” في ليلة واحدة ، تعدل أعمالها وأفضالها عند الله ما كنت تخطط للقيام به في أشهر العمر الطويلة .. فما هو شعورك وماهي استعداداتك؟ وكيف سيكون التحدي في الإرادة والإدارة ؛ لتكسب الجولة ويتحقق المراد وتنال المأمول ، بعمل مضغوط في زمن مضغوط ؟؟

إنها فرصة قد لا تتكرر ، إن رزقتها فهي نعمة كبرى تستحق الشكر .. وإن ضاعت فهي مصيبة والمصيبة أدهى وأمر.. ولا ينبغي لحصيف مثلك إلا الحرص الشديد وطلب المزيد .. والله ولي التوفيق ، ومنه الرشد والتسديد .

رمضان والطوفان ..

الطوفان .. هذا العمل المضغوط الذي تفجر في أرض لا تكاد ترى على الخارطة .. إنها غزة ، أو كما تسمى ( قطاع غزة ) .. ولكن هذا الفعل وارتباطه بالمسجد الأقصى ، بما يحظى به وما حوله من مباركة الله وفضله ، أصبح له امتداد وأبعاد ، لا تكاد المقاييس تتقصاها ، وتعجز القياسات أن تحصر مداها .. فقد تجاوز الفعل مدى مفهوم الإنجاز إلى افق الإعجاز .. وتجاوز الزمن حسابات السنين والعقود إلى ساعات قليلة ، دكت خلالها سواعد الأبطال المؤمنين معاقل الاستبداد والغطرسة والتوحش .. تحقيقاً للوعد الذي لا يتخلف ( ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) .

فمن ذلك الطوفان يستمد رمضان هذا العام عنفواناً جديداً، ليقترب الصائمون القائمون من أولئك المجاهدين الصامدين ،فيستلهمون منهم العزم على الثبات والتضحيات ، ورسم صورة مشرقة لمستقبل آت ..

إنها مأدبة الرحمن ، تجتمع فيها القلوب على محبته ، وتلتقي على طاعته ، وتتوحد على دعوته ، وتتعاهد على نصرة شريعته ، فتتوثق الروابط الإيمانية وتتعزز الأواصر الأخوية ، تحت راية القرآن ، في شهر القرآن ..

 

رمضان المبارك 1445 هـ / آذار 2024 م