Site icon حركة العدل والإحسان

المثلية من الشذوذ الى الهوية – مقاربة فكرية

قسم الفكر – حركة العدل والإحسان

الـمقدمـة :

يواجه المجتمع الإنساني ظاهرة خطيرة ، تهدد بناءه وتقوض كثيرا من المفاهيم التي تتعلق بالقيم والأخلاق ، وما يترتب عليها من سلوك وممارسات ، ثم ” تكييف قانوني ” وترويج إعلامي ، وما يحيط بها من مآرب سياسية وسلطوية ، إنها ظاهرة ( المثلية ) و ( المثليين ) التي أصبحت تتخذ لها تجمعات ومؤسسات ومطالبات ” حقوقية ” ، أخذت تفرض ( واقعاً ) في كثير من المجتمعات ، بل أصبح  ( واقعاً مقبولا ً ) في مساحات تتزايد يوماً بعد يوم ؛ بفعل التسويق لها ومساندتها ، بل و ( تجريم ) من يقف ضدها أو في مواجهتها ؟!!

تـوطــئــة :

في موضوع كالمثلية الجنسية لم نعد أمام فعل فردي بسيط ، بل بتنا أمام ظاهرة مركبة يشترك فيها الثقافي والسياسي والفكري والعلمي ، بالإضافة إلى المنظور الديني ، بل إن المثلية الجنسية تحولت من فعل إلى هوية .

تقوم المقاربة الأخلاقية على منظور مركب للفعل والفاعل والسياق الذي يتحرك فيه الفاعل ويتحقق فيه الفعل ، وهذا يستلزم الإلمام بمختلف جوانب الموضوع .

المفاهيم :

فالمثلية والمغايرة وازدواجية الميول الجنسية هي التطبيقات الرئيسة الثلاث للميول الجنسية عند البشر ، فالذي ينجذب الى الجنس الآخر يعرف ( مغايراً ) أو ( سوياً )  ، بينما الذي ينجذب للجنسين يعرف ( مزدوج ) الميول الجنسية ، فالذكر ذو الميول المثلية  يعرف ( مثلياً أو مثلي الجنس ) أو بالمصطلح الديني ( لوطياً ) ، بينما الأنثى ذات الميول الجنسية المثلية تعرف ( مثلية الجنس ) أو ( سحاقية ) .

جدلية التسمية : مثلية أم شذوذ ؟؟

تثير التسمية المستخدمة هنا إشكالين :

الأول – هل هي مثلية أم شذوذ ؟ ففي حين أن الجانب المؤيد يستعمل لفظ ( المثلية ) ؛ لأنه يخلو من الوصم أو التمييز ضدهم، يستعمل الجانب المنكر لفظ ( الشذوذ الجنسي ) للدلالة على أنه شذوذ وانحراف عن الفطرة .

وبعيداً عن الجانب اللغوي فإن لفظ ( الشذوذ ) لفظ تقويمي ( أو تقييمي ) ينطوي على وصم وتعيير قد يؤدي إلى استباحة الموصوف به أو تبرير التعدي عليه خارج إطار القضاء وإجراءاته الصارمة .

الثاني – إن بعض الناس يستنكر تسمية اللواط أو اللوطي ؛ لما فيهما من نسبة هذا الفعل المنكر إلى نبي الله لوط – عليه السلام – ، والجواب على ذلك :

إن تسمية اللواط قد ارتضاها عامة علماء الأمة عبر التاريخ ، وهي جارية على الأساليب اللغوية والشرعية  ، كاستعمال (الإسرائيليات) وهي نسبة إلى إسرائيل – وهو نبي الله يعقوب عليه السلام – ولكنها للدلالة على ما روي عن اليهود قوم إسرائيل ، وعليه استعمل اللواط للدلالة على فعل قوم لوط الذي اشتهروا به ..

يندرج فعل قوم لوط ضمن المثلية الجنسية ، ووصفه القرآن بأنه جهالة وفاحشة ومنكر وإسراف ، ومن الواضح أن قوم لوط كانوا يستعلنون بتلك الأفعال ويتفاخرون بها أيضا ً ، ولهذا سخروا ممن يستنكرون عليهم فعلهم بأنهم ( أناس يتطهرون) وهذا يعني أن القوم بلغوا الدرجة القصوى من الفحش والانحراف .

ولكن المسألة لا تقف عند حدود التسمية هنا ، فالنقاش حول اللواط كان يقوم حول  فعل (action  ) ، والأحاديث النبوية الواردة في سياق الموضوع تتحدث عمن يفعل ( فعل قوم لوط ) الذين وصفهم القرآن بأنهم ( يأتون الفاحشة ) وأنهم ( يأتون في ناديهم المنكر ) ، أما الصراع الدائر اليوم حول الشذوذ والمثلية فهو يحيل الى التحولات الحديثة التي طرأت على الفعل نفسه ، الذي صار يعبر عن هوية جنسية (sexual identity  ) ، وقد فرض هذا التحول تأثيرات واضحة على الموضوع نفسه ، سواء لجهة توصيفه الطبي أم لصلته بالطبيعة البشرية ، وهي مسألة تفرض إعادة التقويم الأخلاقي للفعل نفسه بوصفه فعلاً طبيعياً أو رغبة مشروعة يجب إشباعها ، أو لجهة الحديث عن حقوق المثليين ، وصولاً إلى الضغوط السياسية للقبول بكل هذه المنظومة.

اختيار أم طبيعة بشرية ؟؟

كان التصنيف الكلاسيكي للمثلية أنها حالة مرضية ، وقد استمر ذلك لعقود تمتد لنحو قرن ، إلى أن أعلنت منظمة الصحة العالمية في سنة 1990 م حذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية ، بل أصبح يوم 17 مايو / أيار من كل عام يوماً لتنظيم مسيرات مؤيدة للمثلية في مدن مخلتفة من العالم ، وانتقلت المثلية من حالة العيب والعار الأخلاقي والاجتماعي (منظور الفعل ) إلى حالة الإظهار بل والافتخار تحت مسمى لافتة محاربة ” رهاب المثلية” – ( منظور الهوية ) .

وفي هذا الإطار كان ثمة محاولات لإعادة تفسير السلوك المثلي الجنسي من منظورات علمية ، ويمكن أن نرصد – هنا – أطروحتين مركزيتين :

وهذه صيغة متطرفة من الجبرية العلمية التي تضيق معها مساحة حرية الاختيار ومسؤولية الإنسان عن أفعاله واختياراته ، وتثير الإشكالات الدينية ، والقانونية ، والمسؤولية الأخلاقية عن الفعل .

الهوية الجنسية

إن المتتبع لتطورات التعامل مع المثلية الجنسية وصولاً إلى الاحتفاء والتظاهر بها والمطالبة بحقوق للمثليين يدرك أن ذلك نتاج عن التحول من الفعل الى الهوية ، أي الفاعل الذي يرى مثل هذه الأفعال تعبيراً عن جزء من شخصيته . وهذا له عدة جوانب :

  1. الحديث عن هوية جنسية Sexual Identity  : أي الحديث عن مجموعات ، لا عن أفعال أفراد توصف بأنها منكر أو أخطاء أو انحراف يتطلب التهذيب والإصلاح ، بخطاب أخلاقي يكبح هذه الشهوة الخارجة عن قانون الجنس البشري الذي يراد تغييره .
  2. الحديث عن تنوع جنسي : يتضمن أقلية تعرّف نفسها على أساس جنسي في الإجابة عن سؤال ( من أنا ؟ ) ، يقود إلى خطاب حقوقي للمنتمين إلى هذه الهوية من مداخل ، كالتنوع والمساواة وحرية الاختيار ، يواكب ذلك تعديلات علمية تتم بإرادة سياسية ، وتفتقر إلى النزاهة .
  3. الحديث عن الفعل : ينحصر النقاش في حدود رفض هذا الفعل دون أن يتجاوز ذلك إلى الحديث عن الفاعل ، بينما ينقلنا الحديث عن هوية جنسية إلى إلغاء تلك المسافة ، ما يجعل من رفض الفعل رفضاً للفاعل نفسه ، ومن ثم يقع إرهاب الأكثرية الرافضة للمثلية الجنسية بدعوى أن لديها  ( فوبيا المثلية الجنسية Homophobic  ) .
  4. خطاب الهوية الجنسية هو خطاب سياسي تواكبه تغييرات يتم إملاؤها في ميادين العلم والتشريعات القانونية والأخلاق ، وهذا حوّل المثلية إلى جزء من خطاب القوة والهيمنة بين جانب ” تقدمي ” وآخر ” رجعي ” ، ومن ثم فإن خطاب الهوية يستدعي خطاب المقاومة في مواجهة هذه الهيمنة ، في حين إن الحديث عن ( فعل ) كان يمثل جزءً من التقويمات الأخلاقية الخاصة بالمعروف والمنكر ، والعفة والشهوة ، والفضيلة والرذيلة .
  5. وفي هذا السياق ، يذهب المفكر عبدالوهاب المسيري إلى ابعد من ذلك ، فيقول : إن ما يسمى بالمثلية الجنسية هي نموذج ثقافي وطريقة تفكير ، وليست تعبيراً عن رغبة .. بل يروي من خلال تجربته الشخصية في أمريكا أن بعض من عرفهم من الأمريكان قد اختاروا هذا السلوك لإثبات هذه الثقافة وليس بدافع الشهوة أو الرغبة .
  6. وبناءً على ما سبق ، يجب رفض فكرة الهوية الجنسية ، فضلا عن أن نفترض حقوقاً لفئة المثليين بما هم مثليون ، لأن النشاط الجنسي بما هو نشاط غريزي لا يستوجب أي حقوق ، فالإنسان إنما يستوجب حقوقاً بما هو انسان ، لا بأي اعتبار آخر .

الهوية الانسانية :

أما الحديث عن الجانب الآخر من مفهوم الهوية ، فهو الموصوف بالهوية الإنسانية ، ويتجلى في ما يأتي :

الوقوف عند مستوى النفس الشهوية وتغلبها على باقي قوى النفس يعني النزول بمستوى الإنسانية إلى المستوى الحيواني الغريزي ، بل إن الحيوان – على نقصان مرتبته – يتنزه عن مثل هذا الفعل الذي لا يليق بالإنسان من باب أولى .

الأول – مستوى الرغبات والميول الداخلية للإنسان التي يمكن أن تتنوع وتشطح .

الثاني – تحويل تلك الرغبات إلى أفعال ظاهرة ، وفي العلاقة بين هذين المستويين تكمن أهمية الوازع الشرعي ، ومن ثم فإن المسؤولية الأخلاقية لا تقع إلا على ترجمة الخواطر والأفعال إلى ميول .. ولكن المجاهدة وكبح الميول هو عمل أخلاقي في نفسه يقود إلى إصلاح النفس وتغيير طبائعها .

تطور المصطلح :

إن مصطلح المثلية وما استتبعه من تعريف وتوصيف مرّ بعدة مراحل ، إليك ملخصها :

دلالات الحروف ( LGBTQIAA ) :

تـنـويـه ..

هذه المقاربة الفكرية لا بد أن تتبعها مقاربة تربوية – أخلاقية ، ترسم من خلالها منهجية واضحة لمواجهة التحدي الخطير وحل إشكالاته الاجتماعية وتداعياته .

 

Exit mobile version