التوبة العامة … طريق رفع البلاء العام

0
1517

ان الدنيا دار ابتلاء وامتحان.. وما يكاد الانسان يخرج من محنة حتى يدخل في اختها.. وللابتلاء سنن لا تتغير ولا تتبدل، فمن ادرك هذه السنن واحسن التعامل معها كانت له طريقا الى النجاة.. ومن فشل في فهم السنن والتعامل معها جرت عليه السنة دون ان يدري ما مصيره.

ان من سنن الله تعالى في الابتلاء ارتباط البلاء بحال النفوس.. وان الله تعالى عندما يغيّر حال فئة من الناس فالسبب هو تغييرهم لما في نفوسهم ( ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).

ان الفساد الذي يعم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتنا اليوم انما هو نتيجة طبيعية لما نفعله من معاص وما نعيش فيه من غفلة.. والغاية منه ليس الانتقام!! ولكنه ابتلاء الله اللطيف بعاباده لعلهم يعودون اليه ويتوبون.

( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون )

وكلمة لعلهم يرجعون تدل على ان حالة الرجوع الى الله تعالى هي المطلوب من انزال البلاء وبمجرد ان تتحقق فإن البلاء سيرفع، وهذا ما حصل مع سيدنا موسى عليه السلام (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا باياتنا وكانوا عنها غافلين).

وسورة الانعام تذكر لنا ان الغاية من الابتلاء واسباب ابتعاد الناس عن هذه الغاية وعدم فهمهم واستجابتهم لها.

( ولقد ارسلنا الى امم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) فالغاية هي التضرع الى الله تعالى والتذلل له سبحانه: ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ). فهناك سببان لعدم استجابة الناس عند البلاء.. اولها قسوة القلوب.. فالقلب القاسي لا يربط الامور والاحداث بالله تعالى وانما تجده يتعلق بالاسباب ويعول على فلان وفلان (ولا يذكرون الله الا قليلا). أما السبب الثاني فهو تزيين الشيطان للناس أعمالهم حتى يرى المنكر معروفا والخطأ صوابا.. فتجده حتى في حالة البلاء لا يتهم نفسه ولا يفكر في انه من الممكن ان يكون هو من اسباب البلاء وانما حتى اذا ما حدثته عن الذنوب ودورها في نزول البلاء اجابك بأن الناس يفعلون كذا وكذا (ونسي ما قدمت يداه).

ولكن هناك امر مهم في التوبة والتضرع.. الا وهو ان البلاء النازل على الفرد يرده دعاء الفرد اما البلاء النازل العام الذي ينزل على الناس فيحتاج الى دعاء وتضرع وتوبة عامة من الناس، كما جاء في الحديث: ( يأتي على النَّاسِ زمانٌ يدعو فيهِ المؤمنُ للعامَّةِ ، فيقولُ اللَّهُ تعالى : ادعُ لخاصَّةِ نفسِك أستجِبْ لَكَ ، فأمَّا العامَّةُ فإنِّي عليهِم ساخِط).

وهذا يفسر لنا لماذا يدعوا الكثير من الصالحين ومن المؤمنين ولا يرفع البلاء!! لأن البلاء العام يحتاج التوبة عامة، ولنا في قصة قوم يونس خير دليل.. قال تعالى (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ) [سورة يونس : 98]

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه (فلولا كانت قرية آمنت)…الآية، يقول : لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس عليه السلام فاستثنى الله قوم يونس وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل فلما فقدوا نبيهم عليه السلام قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح وأخرجوا المواشي وفرقوا بين كل بهيمة وولدها فعجوا إلى الله أربعين صباحا فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل.

فهذا هو علاج البلاء العام انه نزل بمعاصي الناس جميعا.. ويحتاج الى توبة عامة حتى يرفع.

والناظر الى حال مجتمعنا لا يستغرب نزول البلاء بذنوبنا، فلا زال الكفر بالله علنا وسب الله تعالى يجري على الالسنة في الشوارع، ولا زال الشرك بالله تعالى امرا قائما.. والناس يمشون على اقدامهم عبادة لغير الله.

ولا زالت الفواحش تزداد يوما بعد يوم بفعل المسلسلات التركية ومواقع الفيسبوك وغيرها، ولا زالت الغيبة والنميمة بين الناس في كل مكان، والشح والبخل والانغماس في الدنيا حد الاسراف.. فتجد كل هم الرجل ما يلبس وما يأكل وما يركب وما يسكن، واختفت القناعة وصار الناس يلهثون خلف الدنيا لهثا، ولا زالت الرشوة سائدة تزداد يوما بعد يوم، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وغيرها مما لا يعلمها الا الله تعالى.

الا وان من رحمة الله تعالى بالناس ان يبتليهم بالمصائب حتى يصحوا ويرجعوا اليه ولا يلقوه بما هم عليه من الذنوب.

الواجب العملي:

1- التوبة العامة في صلاة الجمعة.. وتكليف كل شخص بنشر هذا الامر مع اهل بيته اولا ومع من يعرفهم من الناس فيأمرهم بالتوبة الى الله تعالى.

2- تذكير الناس بكثرة الدعاء والاستغفار والابتهال لله تعالى.

3- اذكار الصباح والمساء.. وقراءة المعوذات.

4- تعاون الناس فيما بينهم على حماية امنهم ومناطقهم.

5- التوكل على الله وتسليم الامر له.

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here