راشد يزرع لماذا نستورد؟

0
772

د. رنا عدنان

 

لم تكن تلك الحروف هي الأساس لتعليم القراءة و الكتابة و محو الأمية و تعريف الناس بأهمية الاستقلال الاقتصادي او الفكري لجيل الخمسينات و الستينات، لقد كان أساسهم المتين مبني على فطرة اخلاقية سليمة لم يكن قد وصل اليها التلوث الإعلامي ليفسد و يغير مبادئها.

كانت عبارة راشد يزرع و زينب تحصد عبارات تعليمية في مدارس محو الأمية لأبناء ذلك الجيل فهي توصل رسالة العلم من جهة و رسالة الكفاح و الاكتفاء الذاتي على مستوى البلد و افراده من جهة اخرى، ذلك ان هذا الجيل قد تربى على تلك الفطرة و ندر ان تجد منهم من كان عالماً بالحلال و الحرام، رغم ذلك ما فارقت البركة بيوتهم و موائدهم بل حتى في العقول الفذة التي خرجت من الأزقة المتهالكة و البيوتات البسيطة الضيقة لتقود بلدنا الى مصاف الدول المتقدمة في السبعينيات و الثمانينيّات من القرن الماضي.

لقد كانوا بصورة عامة يملكون مروءة تأبى عليهم ادخال حرام، لبيوتهم و اعتزاز يمنعهم من مد اليد الكريمة لمن اعطاهم او منعهم، بل و يعتمدون على كسبهم بعيداً عن الشبهات فكان رأس مالهم القناعة و غناهم عيش كفاف.

اما الْيَوْمَ فقد اتت المادية على اخضرنا و يابسنا و صارت الرفاهية أساس السعادة بغض النظر عن طرقها و موصلاتها فسلكت اليها الناس سبل من ظن ان ماله أخلده وأعطيت للأسماء غير مسمياتها لتكون مقبولة اجتماعياً، فالربا دخل للبيوت بهيئة سلفة ذات فائدة،  و الرشوة دخلته بشكل إكرامية و رزق ساقه الله لمن يشاء من عباده!

العلاقات المشبوهة أصبحت مدنية، و المحاربة للضعيف قصاص و دية، و انقلبت الموازين رأساً على عقب و أتمن اللصوص على مقدرات العباد اما الكفاءات ففي خبر كان، فأصبح بلدنا الْيَوْمَ ينافس البلدان المتأخرة في تأخرها.

فبالرغم من ان كثير من وجهاء البلد الْيَوْمَ يحمل شهادات عليا و في كل الاختصاصات، لكننا بدأنا نستورد حتى الماء الذي نشربه، ونحن نملك ميزانية مالية يحلم اي بلد بعشر مقدارها، لكن مريضنا يضطر للتسول والعلاج خارج القطر، نمتلك ارقى مناهج التعليم العالمي لكن المستوى العلمي و الدراسي لأبناءنا ينحدر تدريجياً.

و هلم جراً الى الافات الاجتماعية التي طرأت لأول مرة على مجتمعنا من ظهور الإقطاعية و الطبقية و اختلال الموازين العادلة و تنكر لهويتنا و ازدواجية في التعامل مع القسوة و الخشونة و الجفاء، فما عاد يوقر كبيرنا و لا يرحم ضعيفنا او تكرم نساؤنا الا ما رحم ربي، لم يكن الفارق بين الماضي و الحاضر هم الحكام بل كانوا العامل المشترك في العمالة و ظلم الشعوب، من يمتلك القرار بالتغيير هم أهل البلد أنفسهم اذا ما أرادوا قطعاً، فأهل القرار منهم، بل انهم من يضعون اهل القرار في محلهم الْيَوْمَ و تلك الإرادة لابد ان تكون جماعية و تبدأ بتناصح الأفراد و وضع الأمور في نصابها الصحيح بشجاعة و قوة و منطق حَكِيم بما تكون لديهم من رصيد علمي و خبرات تراكمت بالتجارب بعيد عن الشكليات و المجاملات، مع إقناع بعضهم بعضاً انهم أدوات التغيير لا محالة.

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here