Site icon حركة العدل والإحسان

من دروس الأنفال 3 : التدبير والتقدير

بقلم: د. منير الدلوش

بسم الله الرحمن الرحيم .. والحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على سيد المرسلين.

أصل الحكاية في سورة الأنفال، وهي تتحدث عن غزوة البدر الكبرى، إثارة السؤال (يسألونك عن الأنفال).. وللإجابة عليه في إطار تربوي بديع –كما هو شأن القرآن الكريم- استخدم ممهدات كثيرة ومؤثرات نفسية وعقلية وإيقاعات وجدانية، هيأت المؤمنين لتلقي الجواب عن قناعة ووعي وبصيرة.. وربط ذلك بمعقد الأمر كله، الا وهو الإيمان (إن كنتم مؤمنين) و ( وإن كنتم آمنتم).. فهذا الشرط يعزف على وتر حساس، بل أكثرها حساسية في كيان المسلم ومشاعره.. كيف لا وهو أساس وجوده ومغزى حياته وغاية غاياته؟!فإذا اشرأبت النفوس وتطلعت القلوب – بعد شحذها على ناصية الوجل وأنغام ذكر الله، والارتقاء الإيماني على وقع تلاوة الآيات، والإقدام المنضبط بإيقاع التوكل على الله- أخذتهم كلمات الله في سياحة طويلة، تقص عليهم شواهد ومشاهد على إن الأمر كله لله.. شواهد من واقع الناس ويومياتهم، ومشاهد من مسرح الحياة وأحداث المعركة التي يعيشونها.. وهم عنها غافلون أو ساهون.. فتأتي “إذ” – وقد تكررت في السورة اثنتا عشرة مرة، تمثل بمجموعها منظومة التدبير الإلهي للأحداث- للتذكير بهذه الشواهد والمشاهد المتعاقبة، معززة ذلك المعنى الكبير( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته).. فهذه الإرادة الغالبة التي لا يعجزها شيء، ولا يجري من دونها أمر ( وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير)..

والنتيجة.. إذا كانت الأمور تجري بتدبير الله وتقديره، في التحضير للمعركة وإدارتها، وإرادة الله نافذة في أحداث التاريخ والسنن، ولا توجيهات تسيّر الحياة وتضبط العلاقات إلا بإذنه، فلا ينسجم السياق إلا بتقرير نتيجة متناغمة مع المشهد، مفادها: إن الأنفال- وإن تبدى لكم أنها من كسب أيديكم وجهادكم- فهي كذلك تقع تحت إرادته وإدارته –عز وجل-، وعليه، فإن توزيع الغنائم لا يكون إلا بردها إلى الله ورسوله (قل الأنفال لله والرسول) ولا يكون توزيعها إلى بإذنه وعلمه (واعلموا أنما غنمتم..) .. فالسياق متصل، والصورة مكتملة في إطار (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان)..

Exit mobile version