من دروس الأنفال 2 : تلقي القلوب

0
41

بقلم منير الدلوش

حين تتلى آيات الله، مخاطباً بها عباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور، تتنزل الكلمات على القلوب.. وعلى قدر حياة هذه القلوب يكون الفعل والتفاعل، ويكون صدى الاستقبال والتأثير..

وفي سورة الأنفال نجد صورتين متقابلتين لهذا التلقي، بحسب الاستعداد القلبي وصلاحه:

فالمؤمنون ذوو القلوب الحية ((إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً))، فتسري في حياتهم ألوان من العبادات التي تصقل الإيمان وتزكي النفوس: ((وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) ويرتقون في مدارج القربات ويتسابقون في معارج الطاعات ليتربعوا عند قمة ((هم المؤمنون حقاً)).

أما مرضى القلوب من الذين كفروا، فلا يمكن لهم أن يتلقوا النور والهداية إلا بأدوات الغفلة وانطماس البصيرة، رغم دعواهم ((قد سمعنا))  الآيات، بل يتبجحون بالقول: ((لو نشاء لقلنا مثل هذا))!! والغريب أن يتمادى هؤلاء الأقزام في التحدي لينحدروا إلى مستوى من الحماقة لا نظير له.. فبدل أن يطلبوا الهداية للحق، فهاهم يستعجلون العذاب ويستمطرون حجارة السماء ((اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)).. في مفارقة عجيبة ورد فعل أخرق، وفي قطيعة عن العقل والمنطق ، يثير السخرية بلا شفقة.. فمن عطل حواسه وأغلق منافذ الهدى من نفسه فحري أن لا تأسى عليه (( فكيف آسى على قوم كافرين))؟؟ إذ ((أولئك كالأنعام بل هم أضل)).

فانظر كيف تفاعل الذين “لا يسمعون” مع الآيات، فراحوا يطالبون بالعذاب الأليم ليستحقوا ما وصفهم الله تعالى به بأنهم ((شر الدواب)).. دواب بلا أحاسيس: صمم في الآذان، وعمى في الأبصار، وغياب للعقول ((صم بكم عمي فهم لا يعقلون))..

وقد حذر القرآن – في آيات سابقة- المؤمنين ونهاهم أن يعطلوا مستقبلات الهداية من نفوسهم ، بقوله ((ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون))؛ فإن السماع “الفسلجي” لا يعدو عن كونه أمواجاً صوتية تخترق الآذان، لا تنفع في شيء إلا إذا كانت في سياق الفهم والإدراك، ثم التأثر والانتفاع بما يحمله هذا السماع..

نسأل الله العافية.. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا..