Site icon حركة العدل والإحسان

رسائل قصيرة في سنة الابتلاء.. في الفهم والسلوك والموقف الرشيد

بقلم / الدكتور منير السامرائي

   ليس هذا تناقضاً ولا تقاطعاً في وجهات النظر، بل هو التوازن الذي ينبغي أن يعيشه المؤمن بين الرجاء والخوف..

   فالطمأنينة مرجعها الى الإيمان العميق بأن الأمر كله لله، وهو أرحم الراحمين.. وبالتوكل عليه، و من التوكل على الله الأخذ بالأسباب، فهي من سنن الله في الخلق والأمر، لا يزيغ عنها إلا هالك.. وهذه الطمأنينة ضرورة إيمانية، ومطلب صحي للنفوس والأبدان، تعزز الروح المعنوية وتقوي الجهاز المناعي للإنسان.

وأما الخطر فمرده الى استشعار الحقائق المرعبة التي تكتنف البلاء الواقع، والوقوف ملياً أمام الإشارات الحمراء التي يبعثها في مسارات الحياة اليومية، حاملة معها الإنذار المبكر الذي يجب ان تقرع له نواقيس الخطر على الدوام.. ولكن دون تهويل وإرجاف.  ومن الواجب أن يستجيب الكيّس الفطن لدواعي الخطر الحقيقية، ويتسلح بالاحتياطات اللازمة، ويعمل بالتدابير المطلوبة.

  إن الله –تعالى- حين خلق الإنسان من نطفة أمشاج، وصف الحال الذي سيكونُه في الحياة الدنيا بأنه ” مبتلى “: ((نبتليه))، وأمده بأدوات التعرف على هدايات الطريق فجعله ((سميعاً بصيراً))، وبيّن له أنه في دار ابتلاء وعمل، إي في قاعة اختبار كبرى، مواد الامتحان فيها كثيرة متنوعة لا تنقطع، تتوزع بين وصفي الشر والخير ((ونبلوكم بالشر والخير فتنة)).. فإن الله يبتلي من يشاء بما يشاء من أنواع البلاء، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

لإن حظ المؤمن من الابتلاء أن يعبد الله وفق منهجه  ويخضع لإرادته، إن كان يبتغي النجاح في الاختبار .. [عجباً لأمر المؤمن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له]- رواه مسلم ، ثم إن عليه أن يدرك أن الإيمان بالقدر ركن ركين من العقيدة السليمة ، وأن هذا الإيمان يدعوه للتعرف – أو محاولة التعرف – على إرادة الله في (الحدث) ، وعلاقة الإنسان بهذه الإرادة وواجبه تجاهها ، ليكون في الموقع السليم .

    إن الله حين ينزل بلاءه، إنما يريد من خلقه أن يقدّموا له من ألوان العبودية والتقرب إليه ما يجعلهم أهلا لدار كرامته ((ما يفعلُ اللهً بعذابِكم إنْ شكرتم وآمنتم)) ؟؟ لذا فالابتلاء (سبب) يقود الى (نتيجة) معتبرة تتجلى فيها الحكمة الإلهية، ومن ظن انفكاكَ لطفِه – تعالى – عن قدره فذلك لقصر نظره، قال- تعالى- ((أن ربي لطبف لما يشاء)).. وتتمظهر العبودية في كيفية تعاطي (المبتلى) مع الحدث .. والوصول الى النتائج المطلوبة من الإختبار، وأهمها:  التضرع الى الله و الانكسار بين يديه، والرجوع الى كنفه((لعلهم يتضرعون))، ونصرة دينه وتطبيق شريعته ، والتوبة والإنابة اليه -عز وجل-.

   لا ينبغي أن يقتصر تفسير الأحداث على الجانب المادي فيها، فمما لا شك فيه أن لكل حدث عوامل مادية تسببه وتؤثر فيه، وهي خاضعة لعالم الشهادة، يمكن تقصيها بالبحث والنظر العلمي و التجريب..  وهو منهج ندب الإسلام الى العناية به ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)).. ولكن للحدث اتصالاً وثيقاً بعالم الغيب الرحيب، من حيث الأسباب والتوقعات و المآلات، فإن من عقيدتنا أن الأسباب المادية لا فعل لها ولا أثر ما لم ترتبط بإرادة الله –تعالى- .. ومن التوازن المطلوب النظر الى الأحداث من جوانبها المتعددة، فكما إن الأسباب المادية من قدر الله، فإن يد الله تعمل في الخفاء وتتمثل في أقداره الجارية، ولولاها ما استقرت حياة ولا استقام ميزان.

 إنها الرسالة الكبرى، بالخط العريض والنظم البليغ.. يتلقاها المؤمن اللبيب.. بالإشارة والصوت والصورة..

بالإشارة: ((لمن كان له قلب)).. قلب ينبض بالرجاء في موعود الله، ويخفق من خشية الله، مستجيباً لآيات الله ((ألََم يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبُهم..))؟

وبالصوت : ((أو ألقى السمع)) .. فأصاخ سمعه وأصغى للنداء العلوي ((وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون)).. فانبرى الجميع للتوبة من قريب، توبة جماعية من مؤمنين يبغون الفلاح ((لعلكم تفلحون))..

وبالصورة: ((وهو شهيد)).. يشهد أن الأمر كله لله وبقدره، فلا سلام إلا بالصلح مع الله، ولا نجاة من كل كرب إلا بالتعلق برحمة مولاه..

   وبهذه الثلاثية المتوازنة، تكون المسؤولية الرشيدة لاستقراء سنن الله ونواميسه، والتعرف على طريق الهدى والرشاد.. فيسلك الى ربه صراطاً مستقيماً ..

Exit mobile version