المثلية من الشذوذ الى الهوية – مقاربة فكرية

0
215

قسم الفكر – حركة العدل والإحسان

الـمقدمـة :

يواجه المجتمع الإنساني ظاهرة خطيرة ، تهدد بناءه وتقوض كثيرا من المفاهيم التي تتعلق بالقيم والأخلاق ، وما يترتب عليها من سلوك وممارسات ، ثم ” تكييف قانوني ” وترويج إعلامي ، وما يحيط بها من مآرب سياسية وسلطوية ، إنها ظاهرة ( المثلية ) و ( المثليين ) التي أصبحت تتخذ لها تجمعات ومؤسسات ومطالبات ” حقوقية ” ، أخذت تفرض ( واقعاً ) في كثير من المجتمعات ، بل أصبح  ( واقعاً مقبولا ً ) في مساحات تتزايد يوماً بعد يوم ؛ بفعل التسويق لها ومساندتها ، بل و ( تجريم ) من يقف ضدها أو في مواجهتها ؟!!

تـوطــئــة :

في موضوع كالمثلية الجنسية لم نعد أمام فعل فردي بسيط ، بل بتنا أمام ظاهرة مركبة يشترك فيها الثقافي والسياسي والفكري والعلمي ، بالإضافة إلى المنظور الديني ، بل إن المثلية الجنسية تحولت من فعل إلى هوية .

تقوم المقاربة الأخلاقية على منظور مركب للفعل والفاعل والسياق الذي يتحرك فيه الفاعل ويتحقق فيه الفعل ، وهذا يستلزم الإلمام بمختلف جوانب الموضوع .

المفاهيم :

  • الميول الجنسية : هي التوجه الجنسي للشخص ، ويصنف بحسبها إلى : ( مغاير ، مزدوج ، مثلي ) ، بينما الهوية الجنسية ( أو الجندرية ) هي شعور الإنسان بانتمائه الى جنس معين .

فالمثلية والمغايرة وازدواجية الميول الجنسية هي التطبيقات الرئيسة الثلاث للميول الجنسية عند البشر ، فالذي ينجذب الى الجنس الآخر يعرف ( مغايراً ) أو ( سوياً )  ، بينما الذي ينجذب للجنسين يعرف ( مزدوج ) الميول الجنسية ، فالذكر ذو الميول المثلية  يعرف ( مثلياً أو مثلي الجنس ) أو بالمصطلح الديني ( لوطياً ) ، بينما الأنثى ذات الميول الجنسية المثلية تعرف ( مثلية الجنس ) أو ( سحاقية ) .

جدلية التسمية : مثلية أم شذوذ ؟؟

تثير التسمية المستخدمة هنا إشكالين :

الأول – هل هي مثلية أم شذوذ ؟ ففي حين أن الجانب المؤيد يستعمل لفظ ( المثلية ) ؛ لأنه يخلو من الوصم أو التمييز ضدهم، يستعمل الجانب المنكر لفظ ( الشذوذ الجنسي ) للدلالة على أنه شذوذ وانحراف عن الفطرة .

وبعيداً عن الجانب اللغوي فإن لفظ ( الشذوذ ) لفظ تقويمي ( أو تقييمي ) ينطوي على وصم وتعيير قد يؤدي إلى استباحة الموصوف به أو تبرير التعدي عليه خارج إطار القضاء وإجراءاته الصارمة .

الثاني – إن بعض الناس يستنكر تسمية اللواط أو اللوطي ؛ لما فيهما من نسبة هذا الفعل المنكر إلى نبي الله لوط – عليه السلام – ، والجواب على ذلك :

إن تسمية اللواط قد ارتضاها عامة علماء الأمة عبر التاريخ ، وهي جارية على الأساليب اللغوية والشرعية  ، كاستعمال (الإسرائيليات) وهي نسبة إلى إسرائيل – وهو نبي الله يعقوب عليه السلام – ولكنها للدلالة على ما روي عن اليهود قوم إسرائيل ، وعليه استعمل اللواط للدلالة على فعل قوم لوط الذي اشتهروا به ..

يندرج فعل قوم لوط ضمن المثلية الجنسية ، ووصفه القرآن بأنه جهالة وفاحشة ومنكر وإسراف ، ومن الواضح أن قوم لوط كانوا يستعلنون بتلك الأفعال ويتفاخرون بها أيضا ً ، ولهذا سخروا ممن يستنكرون عليهم فعلهم بأنهم ( أناس يتطهرون) وهذا يعني أن القوم بلغوا الدرجة القصوى من الفحش والانحراف .

ولكن المسألة لا تقف عند حدود التسمية هنا ، فالنقاش حول اللواط كان يقوم حول  فعل (action  ) ، والأحاديث النبوية الواردة في سياق الموضوع تتحدث عمن يفعل ( فعل قوم لوط ) الذين وصفهم القرآن بأنهم ( يأتون الفاحشة ) وأنهم ( يأتون في ناديهم المنكر ) ، أما الصراع الدائر اليوم حول الشذوذ والمثلية فهو يحيل الى التحولات الحديثة التي طرأت على الفعل نفسه ، الذي صار يعبر عن هوية جنسية (sexual identity  ) ، وقد فرض هذا التحول تأثيرات واضحة على الموضوع نفسه ، سواء لجهة توصيفه الطبي أم لصلته بالطبيعة البشرية ، وهي مسألة تفرض إعادة التقويم الأخلاقي للفعل نفسه بوصفه فعلاً طبيعياً أو رغبة مشروعة يجب إشباعها ، أو لجهة الحديث عن حقوق المثليين ، وصولاً إلى الضغوط السياسية للقبول بكل هذه المنظومة.

اختيار أم طبيعة بشرية ؟؟

كان التصنيف الكلاسيكي للمثلية أنها حالة مرضية ، وقد استمر ذلك لعقود تمتد لنحو قرن ، إلى أن أعلنت منظمة الصحة العالمية في سنة 1990 م حذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية ، بل أصبح يوم 17 مايو / أيار من كل عام يوماً لتنظيم مسيرات مؤيدة للمثلية في مدن مخلتفة من العالم ، وانتقلت المثلية من حالة العيب والعار الأخلاقي والاجتماعي (منظور الفعل ) إلى حالة الإظهار بل والافتخار تحت مسمى لافتة محاربة ” رهاب المثلية” – ( منظور الهوية ) .

وفي هذا الإطار كان ثمة محاولات لإعادة تفسير السلوك المثلي الجنسي من منظورات علمية ، ويمكن أن نرصد – هنا – أطروحتين مركزيتين :

  • إن المثلية الجنسية ” اختيار شخصي ” Moral Choice ، ففئة من الناس تختار أن تكون كذلك ولا تولد به ، ومن ثم فالمثلية لا تنطوي على أي نوع من الجبرية ، سواء كانت جبرية سيكولوجية أو فيزيولوجية ، بل إن أصحاب هذا التصور يؤكدون على السمة الاختيارية في الفعل ، وهو الأمر الذي تعبر عنه الظاهرة الاحتفالية بهذا التوجه ، حيث تخرج المسيرات لإظهار نفسها وتأكيد اختيارها والمطالبة بما سمي ( المساواة في التنوع ) .
  • إن المثلية الجنسية سمة ” طبيعية ” لدى فئة من البشر ، وليست مضادة للطبيعة الإنسانية . فالطبيعة الإنسانية تحتوي – بحسب هؤلاء – على تنوع جنسي Sexual Diversity ، فالمثلي يولد ولديه ميل جنسي للمثيل ، فهو لا يختاره ابتداءً ، بل تنعكس عن التكوين الدماغي أو الجيني للإنسان .

وهذه صيغة متطرفة من الجبرية العلمية التي تضيق معها مساحة حرية الاختيار ومسؤولية الإنسان عن أفعاله واختياراته ، وتثير الإشكالات الدينية ، والقانونية ، والمسؤولية الأخلاقية عن الفعل .

الهوية الجنسية

إن المتتبع لتطورات التعامل مع المثلية الجنسية وصولاً إلى الاحتفاء والتظاهر بها والمطالبة بحقوق للمثليين يدرك أن ذلك نتاج عن التحول من الفعل الى الهوية ، أي الفاعل الذي يرى مثل هذه الأفعال تعبيراً عن جزء من شخصيته . وهذا له عدة جوانب :

  1. الحديث عن هوية جنسية Sexual Identity  : أي الحديث عن مجموعات ، لا عن أفعال أفراد توصف بأنها منكر أو أخطاء أو انحراف يتطلب التهذيب والإصلاح ، بخطاب أخلاقي يكبح هذه الشهوة الخارجة عن قانون الجنس البشري الذي يراد تغييره .
  2. الحديث عن تنوع جنسي : يتضمن أقلية تعرّف نفسها على أساس جنسي في الإجابة عن سؤال ( من أنا ؟ ) ، يقود إلى خطاب حقوقي للمنتمين إلى هذه الهوية من مداخل ، كالتنوع والمساواة وحرية الاختيار ، يواكب ذلك تعديلات علمية تتم بإرادة سياسية ، وتفتقر إلى النزاهة .
  3. الحديث عن الفعل : ينحصر النقاش في حدود رفض هذا الفعل دون أن يتجاوز ذلك إلى الحديث عن الفاعل ، بينما ينقلنا الحديث عن هوية جنسية إلى إلغاء تلك المسافة ، ما يجعل من رفض الفعل رفضاً للفاعل نفسه ، ومن ثم يقع إرهاب الأكثرية الرافضة للمثلية الجنسية بدعوى أن لديها  ( فوبيا المثلية الجنسية Homophobic  ) .
  4. خطاب الهوية الجنسية هو خطاب سياسي تواكبه تغييرات يتم إملاؤها في ميادين العلم والتشريعات القانونية والأخلاق ، وهذا حوّل المثلية إلى جزء من خطاب القوة والهيمنة بين جانب ” تقدمي ” وآخر ” رجعي ” ، ومن ثم فإن خطاب الهوية يستدعي خطاب المقاومة في مواجهة هذه الهيمنة ، في حين إن الحديث عن ( فعل ) كان يمثل جزءً من التقويمات الأخلاقية الخاصة بالمعروف والمنكر ، والعفة والشهوة ، والفضيلة والرذيلة .
  5. وفي هذا السياق ، يذهب المفكر عبدالوهاب المسيري إلى ابعد من ذلك ، فيقول : إن ما يسمى بالمثلية الجنسية هي نموذج ثقافي وطريقة تفكير ، وليست تعبيراً عن رغبة .. بل يروي من خلال تجربته الشخصية في أمريكا أن بعض من عرفهم من الأمريكان قد اختاروا هذا السلوك لإثبات هذه الثقافة وليس بدافع الشهوة أو الرغبة .
  6. وبناءً على ما سبق ، يجب رفض فكرة الهوية الجنسية ، فضلا عن أن نفترض حقوقاً لفئة المثليين بما هم مثليون ، لأن النشاط الجنسي بما هو نشاط غريزي لا يستوجب أي حقوق ، فالإنسان إنما يستوجب حقوقاً بما هو انسان ، لا بأي اعتبار آخر .

الهوية الانسانية :

أما الحديث عن الجانب الآخر من مفهوم الهوية ، فهو الموصوف بالهوية الإنسانية ، ويتجلى في ما يأتي :

  • لم يكن النشاط الجنسي في يوم من الأيام تعبيراً عن هوية انسانية ، فالنقاشات الفلسفية كانت تتمحور حول السمة التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات بحيث تبرهن على تفوقه عليها ، وكانت السمات المطروحة تتراوح بين اللغة والعقل والتفكير والأخلاق ، بل إن الفلسفتين اليونانية والاسلامية قد اعتبرتا الشهوات هي أدنى قوى النفس .
  • وللمحافظة على الطبيعة الإنسانية من منظور أخلاقي يراعى ما يأتي :
  • إن أطروحة تهذيب النفس تسلّم ابتداءً بأن الإنسان مجبول على حب الشهوات ( زين للناس حب الشهوات …) ولكن عليه ألا يستسلم لها ، وأن يضبطها بقانون الفضيلة ، وإهمال هذه المسائل في التعاطي مع النفس يقود الى تغيير مستوى طبيعة الإنسان الفاعل ، ومن هنا كانت المداومة على الطاعة والتعود عليها أحد سبل تهذيب النفس .
  • إن اتيان الخطأ مع الإقرار بأنه خطأ هو سلوك طبيعي من الإنسان ؛ لأنه خطّاء ( كل ابن آدم خطّاء ) ولكن استباحة الحرام عبر إحداث تغيير مستوى تقويم الفعل نفسه و شرعنته سيقود إلى التلاعب بالمعايير الأخلاقية ، ومن ثم سيتم التغيير على مستوى طبيعة الشخص نفسه لا أفعاله .
  • إن ضبط الشهوات وكبح جماح النفس وفق قانون الشريعة سيعود إلى صياغة الذات الإنسانية صياغة أخلاقية حتى يكون المكلف عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً .

الوقوف عند مستوى النفس الشهوية وتغلبها على باقي قوى النفس يعني النزول بمستوى الإنسانية إلى المستوى الحيواني الغريزي ، بل إن الحيوان – على نقصان مرتبته – يتنزه عن مثل هذا الفعل الذي لا يليق بالإنسان من باب أولى .

  • إن ثمة مستويين لا بد من التمييز بينهما :

الأول – مستوى الرغبات والميول الداخلية للإنسان التي يمكن أن تتنوع وتشطح .

الثاني – تحويل تلك الرغبات إلى أفعال ظاهرة ، وفي العلاقة بين هذين المستويين تكمن أهمية الوازع الشرعي ، ومن ثم فإن المسؤولية الأخلاقية لا تقع إلا على ترجمة الخواطر والأفعال إلى ميول .. ولكن المجاهدة وكبح الميول هو عمل أخلاقي في نفسه يقود إلى إصلاح النفس وتغيير طبائعها .

  • إن النشاط الجنسي الإنساني إنما يكتسب معنى أخلاقياً من جهة كيفية ممارسته ( وفق القانون الطبيعي   والشرعي ) ومن جهة القيمة المتصلة به . فمن جهة هو متعة مشروعة وطبيعية ، ومن جهة أخرى يستهدف قيمة بقاء النوع . أما المثلية فهي خضوع لمبدأ اللذة على خلاف قانونها الطبيعي والشرعي معاً ، عارية عن القيمة بل تنطوي على مفسدة تتمثل في قطع النسل فيما لو تم تعميمها ، أو اختلال نظام الأسرة فيما لو تم تشريع التبني للزوجين المثليين .

تطور المصطلح :

إن مصطلح المثلية وما استتبعه من تعريف وتوصيف مرّ بعدة مراحل ، إليك ملخصها :

  • كانت المثلية في الولايات المتحدة حتى أوائل السبعينات من القرن العشرين تعرف بأنها انحراف جنسي Sexual deviance  ويتم التعامل معها ضمن علم الأمراض Pathology  .
  • الى أن تم حذفها من قوائم الأمراض ، واعتبرت المثلية سلوكاً طبيعياً وليس مرضياً ، وانسحبت هذه النظرة الى المنظمات الدولية المتخصصة في المجالات الصحية ، وانتقل الخلاف حولها من دوائر الأبحاث العلمية الى المنافسات الانتخابية والمساجلات الدينية .
  • وظل الأمر كذلك إلى أن أعادت ثقافة ” الجندر الأمريكية ” تعريفه وأخرجت مفهوم الذكورة والأنوثة من دائرة الخلق والولادة البيولوجية ، لتعرفها كظاهرة يتم تركيبها اجتماعياً ، واستعارت كلمة الجندر من كتاب القواعد الإنكليزية لتلصقه بما سمته ( النوع الاجتماعي ) واخترعت له رمزاً : LGBT . وركبت له وصفاً( المثلية ) وتصنيفاً فـ Lesbian للمثلية الأنثوية ، gay  للمثلية الذكورية ، bi  للممارسة الثنائية و transit  لعابري الجنس أو المتحولين جنسياً .
  • إن هذا الجندر أو النوع الاجتماعي هو طيف متدرج في مستوى الذكورة أو الأنوثة ، ولذا اختاروا له رمز ( قوس قزح ) ، وبهذا اتحد الفاصل في الانتماء الجنسي : ذكر أو أنثى . فالكائن الاجتماعي – عندهم – هو ذكر بدرجة ما وفي الوقت ذاته أنثى بدرجة أخرى ، والأمر متروك لخياره في أي الاتجاهين يذهب .

دلالات الحروف ( LGBTQIAA ) :

  • L: Lesbian – امرأة تواجه الحب أو الانجذاب الجنسي لامرأة أخرى .
  • G : Gay  – رجل يواجه الحب او الانجذاب الجنسي لرجل آخر .
  • B : Bisexual – رجل أو امرأة يواجه الحب أو الانجذاب الجنسي نحو كل من الذكور والإناث .
  • T : Trangender or transsexual  – شخص لا يتعرف على جنس جسمه الذي ولد فيه ( متحول جنسياً ) .
  • Q : Queer or questioning – يعني أن جنس او الحياة الجنسية للشخص تختلف عن معظم الناس ، أو أنه لا زال يتساءل عن شعوره .
  • I : Intresex – يعني أن الأجزاء التناسلية مختلطة ، أو أن الجينات تنتمي إلى كلا الجنسين .
  • A : Asexual – شخص لا يعاني من الانجذاب الجنسي ، فهو يكوّن علاقات ولكن لا يمارس الجنس .
  • A : Ally – الحليف ، شخص يعرف أنه من الجنس الآخر ولكنه يدعم مجتمع LGBTQIAA .
  • [ علينا أن نحذّر من هذه الظاهرة ومنصاتها في كل مكان .. أن نواجهها برفع الزاد الإيماني وكشف المغالطات العلمية لهذا اللوبي ، عسى أن يأتي من بعدنا من يصنع للأمة والبشرية بيئة آمنة .. نحن بين خيارين : طوفانهم أو المقاومة .. والمقاومة ليست خيارا في عيني المسلم ، وإنما هي واجب وفخار .. ” إذا لم تغير العالم ، غيّرك العالم ” ] . د. سامي عامري

تـنـويـه ..

هذه المقاربة الفكرية لا بد أن تتبعها مقاربة تربوية – أخلاقية ، ترسم من خلالها منهجية واضحة لمواجهة التحدي الخطير وحل إشكالاته الاجتماعية وتداعياته .

 

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here