الحرية في الفكر الإسلامي

0
723

حركة العدل والإحسان – مكتب الفكر

 

المفهوم والتأصيل :

بدءً يعلن الإسلام أن لا تساوي بين من يتمتع بالحرية ويعيش بها وبين من سلبت منه الحرية ، ويعد ذلك من أساسيات العلم التي تقوم عليها الحياة ، وعلى طريقة القرآن في ضرب الأمثال للناس؛ لإيضاح المفاهيم الضرورية ، مستخدما إثارة وتحفيز أدوات الفكر، وإعمال العقل ضرب مثلاً في سورة النحل، يعبر عن الأهمية القصوى لقيمة الحرية في مسيرة الناس ، فقال تعالى : ” ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون” (النحل 75)

فالحرية والعقل هما مناط المسؤولية والتكليف – كما يقول الأصوليون –  وذلك أثر لتكريم الله للإنسان “ولقد كرمنا بني آدم” الآية. هذا التكريم يجعل للفعل الإنساني قصدا قائما على الاختيار بين عبادة الله عن وعي وإرادة ، وبين التمرد.

وهنا ينتفي التعارض الظاهري بين الدين والحرية ، بل تصبح الحرية – كالعقل –  شرطا للتدين في حد ذاته. والتدين الصحيح يعززهما ويرتقي بهما، فوق مستوى الضرورة ،  فيكون  مقدار ما يتمتع به الانسان من الحرية  بحسب عبوديته وعلمه ومقدارهما عنده .

 

التصور الاسلامي للحرية :

قال تعالى مبيّنا لعباده طريق الرشد من الغي “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” الآية. وقال مصوبا لنبيه الحزين على إعراض قومه “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” الآية.  فما يفقد الأعمال “الإسلامية” كالصلاة والزكاة والجهاد والتحجب – بالنسبة للمرأة – كل قيمتها عند الله أن لا تكون صادرة عن إرادة واعية حرة مسؤولة تبتغي مرضاة الله.

  1. الحرية قيمة عليا في الفكر الإسلامي: بيد أن الارتفاع بالقيم الإنسانية الأساسية ، وعلى رأسها الحرية من مستوى الحقوق للإنسان ، إلى مستوى التكليف أو الالتزام أو الشرط لاكتمال إنسانية الإنسان يجعل الحرية من أبرز مقاصد وقيم الإسلام ، ويسلب مصداقية أية دعاوى باسم الشرع تروّج لسلب حرية الإنسان – أي إنسان – أو التغوّل عليها، أو تقييدها، أو التنازل عنها، أو حتى القعود عن سبيل تحصيلها، باعتبارها مجرد حق يمكن التنازل عنه في مقابل تمجيد الاستقرار والسكون أو تكريس مفهوم الطاعة للسلطة . لذا عمد الاسلام الى تحرير الانسان من كل سلطان جائر ومن  أنواع السلطة التي حرر القرآن منها المؤمنين به في ميدان الاعتقاد والعمل الصالح سلطة الآباء ، وسلطة الملأ ، وسلطة الفرعون ، وسلطة الجماعات  التي تنزل مسؤوليها منزلة إمامة المسلمين في  السمع والطاعة ، فالطاعة في الشرع تأتي تبعا لطاعة الله ، والطاعة المطلوبة في الحركات الإسلامية طاعة واعية على بصيرة ، كما حرر القرآن الكريم الإنسان من سلطة الهوى التي تجنح الى إيثار السلامة والخضوع وترك السعي لتحصيل الكرامة والمساواة والحرية  ، ولو استدعى الأمر الهجرة في أرض الله الواسعة .
  1. الحرية في الإسلام هي الخضوع الواعي لنواميس الكون والشرع : إنها ليست استباحة : افعلوا ما تمليه عليكم رغائبكم ، فتلك “حرية الحيوان”، وإنما افعلوا الواجب الذي أمركم الله به تتحرروا من أهوائكم ومن تسلط بعضكم على بعض .
  2. الإسلام ثورة تحريرية شاملة : إن الحرية كالشورى لا تستمد من مجرد نص جزئي، باعتبارها مقصدا كليا من مقاصد الشريعة الخمس : حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال ، [ وأضاف إليها الأصولي الفقيه الكبير ابن عاشور مقصد الحرية والعدل (كتاب مقاصد الشريعة) ] ، بما يوجب أن تكون الأمة حرة ، ليس بشكل جزئي ولكن في كل جوانب حياتها، إذ تسقط كل تكاليف الشرع في غياب العقل والحرية والعلم. وفي الحديث : “إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث :  الخطأ والنسيان والإكراه”، أخرجه وصححه ابن حبان. وفي سورة الأعراف الآية 157 يحدد القرآن مهام النبي عليه السلام في أنه: “يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم”، فالدين جاء لكسر الأغلال التي تكبل النفوس والعقول والأجساد وتفرض استعباد الإنسان لأخيه الإنسان تحت أي مبرر.

التطبيقات :

  1. ويبدو أن هذا المفهوم – رغم غياب كلمة الحرية من مفردات القرآن – كان غاية في الوضوح في ذهن الرعيل الأول من المسلمين ، كما يظهر ذلك في قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ويتضح الأمر بجلاء في قول عمر رضي الله عنه : “متى استعبدتم الناس ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”. كما نلمح ذات التوجه في قصة ربعي بن عامر مع رستم ببلاد الفرس ، حين سأله رستم عن دوافع مجيء العرب لقتال الفرس؟ فأجابه ربعي: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة” الحرية إذن هي فريضة وواجب والتزام وتكليف قبل أن تكون حقًّا، والمسئولية عن نشرها وتوفيرها وحمايتها يدخل ضمن واجبات الإنسان المكلّف .
  2. الإسلام دعوة للحرية وللتحرير , ولم يخطئ القول أكبر المنظّرين في الإسلام المعاصر أبو الأعلى المودودي وسيد قطب رحمهما الله تعالى إذ عرّفا الإسلام بأنه ثورة تحررية شاملة ، تنطلق من أعماق النفس والعقل والإرادة لتمتد إلى كل ركن من أركان الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فعلا حرا إيجابيا فرديا وجماعيا لا يعرف إليه القنوط والإحباط سبيلا. قال تعالى “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” الآية، وفعلا تحريريا جهاديا ضد تسلط الفراعين والقوارين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “استعن بالله ولا تعجز” أخرجه مسلم.
  3. وتحوم حول هذه المعاني جملة مواقف مفكري الإسلام من الحرية ، ومن ذلك ما ذهب إليه الأستاذ الفاسي، من أن الحرية “جُعلٌ قانوني، وليس حقًا طبيعيًا، فما كان الإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي.. وأن الإنسان لم يخلق حرًا، وإنما ليكون حرًا” بقدر خضوعه لشرع الله ، إن الحرية كدح ونضال في طريق العبودية لله ، وليست انطلاقًا حيوانيًا.
  4. ولقد تعجب الأستاذ الفاسي في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”، كيف أن علماء الإسلام لم يتفطنوا في آية البينة ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (( إلى هذا المعنى اللطيف: أنه لا سبيل إلى الانفكاك والتحرر إلا بمنهج العبودية لله ، منهج التكاليف ، الأمر الذي يجعل الحرية خلقًا ذاتيًا، تتجلى آثاره في أعمال الإنسان الصادرة عن شعوره بالتكليف ، إن الإنسان الجدير بصفة الحر هو المؤمن بالله.. وإن التكليف هو أساس الحرية وعلامتها )).

مفهوم خاطيء :

الحرية وعقيدة القضاء والقدر: ومما سبب ركود الحركة في مسيرة المسلمين  تفشى عقائد الجبر المتخفية في عقيدة “القضاء والقدر” ، حتى إذا ظهرت الحركة الإصلاحية منذ زهاء قرنين تصدت لها وللثقافة الأغنوصية الصوفية السائدة ، مثبتة للإنسان إرادة حقيقية ومسؤولية عن مصيره ، وذلك إحياء لمعاني القدر التي تعامل معها الجيل الأول ، في النظر إلى القدر باعتباره إرادة الله عز وجل متجلية في هذا النظام الكوني العقلاني والشرعي الدقيق ، القمِن بضمان سعادة الناس في الدنيا والآخرة إذا فقهوا وأحسنوا التعامل معه وفق الشرائع . وكان من المساعي الأساسية للحركة الإصلاحية منذ قرنين استعادة الفعالية الإسلامية المشلولة وذلك بتخليصها من العوائق التي تكبلها ومنها عقائد الجبر المستندة إلى فهم سقيم لعقائد القدر.

يقول المصلح الكبير محمد إقبال : ” المسلم الضعيف يعتذر بالقضاء والقدر، والمسلم القوي هو قضاء الله وقدره”.

حدود وضوابط :

وحين نتحدث عن الحرية ينبغي أن لا نذهب بعيدا في إقرار ” الحرية المطلقة ” للإنسان ، فإن ذلك لا وجود له في أي مجتمع أو كيان تضبطه منظومة قيمية ..بل إن للحرية في كل مجتمع وأي نظام ضوابط يجب الالتزام بها ، وحدودا لا يسمح بالخروج عنها .. وعليه فلا ينبغي التوسع في فهم بعض الآيات والأحكام الشرعية المتعلقة بالحرية لتتحول الى حريات منفلتة لا حدود لها .. ومن ذلك :

  • ( لا إكراه في الدين ) .. ومعناها : [ أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الاسلام فإنه بيّن واضح جلي .. ] ، وهذا المعنى لا دلالة له على إباحة نشر أهل الكتاب لدينهم أو إباحة نشر الإلحاد ؛ ذلك ان ترك الانسان لاختياره في البقاء على دينه ومنع اكراهه على الاسلام انما ليتحمل نتيجة قراره يوم الدين ..
  • ومن هذه الضوابط ، ما ذكره الدكتور عبدالكريم زيدان – رحمه الله – ما نصه : [ إلا أنه ليس لهم أن يسيئوا استعمال هذه الحرية أو حرية إبداء الرأي فيقوموا – مثلا – بالتجوال في انحاء الدولة الاسلامية لحمل المسلمين على الردة عن الاسلام بحجة التعليم أو ابداء الرأي ؛ لأن الردة جريمة في نظر الاسلام ولا تجوز المساهمة في وقوع الجريمة . لكن لهم – على ما نرى – إبداء محاسن دينهم والمجادلة مع غيرهم بالحسنى ] – أحكام الذميين والمستأمنين ص 101 .
  • وفي هذا السياق يقرر الدكتور يوسف القرضاوي أن [ هناك مجموعة من المبادئ والقيم تعارف الناس عليها : أن تظل مصونة محصنة ، وهي تمثل الثوابت للأمة ، فلا يجوز اختراقها أو التعدي عليها أو العبث بها ، وإلا تعرضت الأمة للخطر لإنها أصيبت في جذورها وفي هويتها وجوهر وجودها ] .

الواجبات :

إن الحرية في التصور الإسلامي أمانة ، أي مسؤولية ، ووعي بالحق ، والتزام به ، وإخلاص في طلبه ، وتضحية من أجله ، تبلغ حد الاستشهاد .. نعم إن الحرية بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار، أو هي فطرة ، فقد اختصنا الله بخلقة تملك القدرة على فعل الخير والشر، والسير في أكثر من اتجاه.. وكانت تلك مسؤولية ، أما بالمعنى الأخلاقي أو التشريعي فهي “تكيّف” حسب عبارة الأصوليين ،.

 

الحرية : أن نمارس مسؤوليتنا ممارسة إيجابية ، أن نفعل الواجب طوعًا .. بإتيان الأمر واجتناب النهي ، فنستحق درجة خلفاء في الأرض ومن أولياء الله الصالحين .

 

استدراك

ان الحديث عن الحرية له اعتباران :

الأول ، يتعلق بالمكانة الاجتماعية للفرد ، وعلى ذلك فهو يصنف الى إنسان ( حر ) او ( عبد / رقيق ) ، وهذا التصنيف لا يسقط معه التكليف الشرعي عنهما بهذا الوصف ، فهما في ذلك سواء ، عدا ما يختص باحدهما من احكام دون الآخر . أي أن الرق ليس مانعا من التكليف .

الثاني ، يتعلق بالجانب الفكري الذي يتمتع به الانسان ، والذي يعني امكانية أو قدرة الفرد على اتخاذ القرار أو تحديد خيار من عدة خيارات متاحة دون أي شكل من أشكال الإجبار أو الضغط أو الاشتراطات والقيود . فالانسان بذلك إما يمتلك حريته – بجوانبها المتعددة –  فهو مكلف ومسؤول عن تصرفاته فيثاب ويعاقب بحسب أدائه للتكليف الشرعي .. أو لا يمتلك هذا الحق ( تحت الإكراه أو الإضطهاد أو الاستبداد … ) . وهذا التصنيف يتعلق به التكليف الشرعي : وجودا أو عدما ، بمعنى أن حرية القرار المصادرة بالإكراه مانعة من التكليف ، كما أن اداء التكاليف ممن سلب الحرية – تحت أي ظرف – أو عدم قناعته فإن فعله وإن أسقط جانب التكليف في الظاهر ، إلا أن ما يترتب على فعله من الجزاء يسقط ، ولا فائدة منها تعود عليه في الآخرة .

وعلى ذلك يفهم ما ورد في المنشور من ان ( الحرية والعقل هما مناط المسؤولية والتكليف … ) ، فالمقصود بالحرية – هنا – الاعتبار الثاني الذي يعد شرطا للتدين الصحيح ، وهذا هو ذات المعنى الذي يتعلق به ما جاء في المنشور من أن ( ما يفقد الأعمال الاسلامية – أي التكليفات – كالصلاة والزكاة والجهاد والتحجب – بالنسبة للمرأة – كل قيمتها عند الله أن لا تكون صادرة عن ارادة واعية حرة مسؤولة تبتغي مرضاة الله ) .

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here