الحوار … ومفهوم الإقصاء

0
238

بقلم: خالد روشه

 يستعمل الناس الحوار بينهم لتوصيل الرسائل المختلفة منهم وإلى بعضهم بعضاً، وصولاً لنوع متقدم من التواصل، يتم على أساسه تقريب الرؤى ووجهات النظر، والغاية من الحوار في الأفكار؛ إقامة الحجة ودفع الغلط في الفهم، تبيين المقصود، ودفع الشبهة، فهو إذن نوع حضاري من التواصل بين الناس يتعاون فيه المتحاورون ليكشف كل طرف عن خفي مقصوده أو ليوصل للآخر صدقية رؤيته.

يقول الحافظ الذهبي: ( إنما وضعت المناظرة لكشف الحق وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه وتنبيه الأغفل الاضعف ) (شرح المواهب، للزرقاني) .

ولاستمرار الحوار ينبغي على الأطراف القناعة بعدة مبادلات ومواصفات أثناء الحوار، فمن ذلك إمكانية الوصول إلى حل وسط ، يستطيع معه – إن تم إقناعه – برؤية الآخر أن يعدل من رؤيته بشكل متوسط، لا بتمام الرجوع عنها.

كذلك يكون عنده استعداد للتنازل عن رأيه والعودة عنه إلى الرأي الآخر إن تبيّن له خطؤه، كما هو منقول عن الشافعي في آداب الحوار: ( قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب )، فاحتمال العودة إلى الآخر من كليهما وارد، وقول الأئمة: ( كل الناس يؤخذ من كلامهم ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم ) .

كذلك فإن التعرُّف على الرؤى ووجهات النظر الأخرى هو فائدة ومبادلة إيجابية للحوار، فإن كثيراً من أصحاب الأفكار يسعى لأن يصدر رؤيته وحده للآخرين، ويتناسى في بعض الأحيان أن هناك رؤى مغايرة، لدرجة أن هناك بعض الكتّاب والمؤلفين يكتبون فينتقون في نقلهم رأي العلماء من قبلهم، فيخفون الرؤى التي تخالفهم ويبرزون الدلائل التي تؤيد رؤيتهم، وقد رأيتُ ذلك مِراراً من فعل بعض المؤلفين، وهو نوع من عدم الأمانة في نقل العلم.

آخرون يتعمدون الإقصاء المقنع للأفكار المغايرة لفكره، وينتشر ذلك عند بعض المتبوعين إذ يريد أن ينشر قوله مغفلاً القول المخالف، وواصماً المخالف له بالنقص والانتقاص، رافضاً الحوار معه، وإذا حاوره علَت صرخاته ومثالب حواراته.

وطبائع الناس عادة هو الخلاف والاختلاف، قال سبحانه: ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ” [هود:118]، فقد خُلِقُوا مستعدين للخلاف والاختلاف والتفريق في علومهم ومعارفهم وآرائهم ومشاعرهم، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم في أعمالهم ومن ذلك الإيمان والطاعة والمعصية.

والحقيقة فإن الحق واضح جلي، ومن أخلاق الإسلام البحث عنه، فالصواب ضالة المؤمن والحكمة هى ما يبحث عنه، فإن وجدهما أخذهما أينما كانا، فمهما كان خلاف الناس فإن الحق واضح جلي و كما في قوله سبحانه: ” فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ” [البقرة من الآية:213]، فالله سبحانه يهدي إلى سواء السبيل، والقلوب إذا صدقت هداها الله سبحانه، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ” اهدِني لما اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنِك إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ ” (من حديثٍ رواه مسلم) .

لكل ما سبق فإن الحوار يُمثِّل سبباً إيجابياً من أسباب الوصول للحق، ومن جميل أخلاق الحوار أمور مختلفة، فمنها:

–  أن يبدأ الحوار مع مخالفه بالمتفق عليه معه، فإنما ذلك يكون فاتحاً لشهية المحاورة، ومكسباً للتقارب، ومبعداً للبغضاء والكراهية.

–  كذلك منها توضيح مناط الحوار ومناط الاختلاف ومحاوره، والاتفاق عليه، فإنه يقي من كثرة الجدل وكثرة المداراة في الكلام وطول البسط فيه.

–  ومن ذلك بيان أهم الدلائل التي تستند عليها فكرتك، وطريقة فهمها، وما تستند إليه من ذلك، فإن ذلك يُقوِّي موقفك ويريحك كثيراً أثناء المحاورة، فإن كنتَ ناقلاً فتذكر دلائل الصحة، وإن كنتَ مُدعياً لفكرة فعليك بالدليل.

–  ومنها صدق النية في الحوار، بل يتقدمها صدق النية، وأذكر ههنا قول الشافعي رحمه الله : ( وددتُ لو أن هذا العلم تعلمه الناس ولم يُنسب إلينا شىء منه ). دلالة على النقاء والشفافية وحسن النية في رجاء ثواب الله سبحانه.

–  ومن ذلك أيضاً الاتفاق على المسلَّمات والمنطلقات والثوابت، فإن ذلك ييسر الوصول للإقناع، وتعديل الفكرة المقابلة.

وبالعموم، ليس كل امرىء هو رجل الحوار، أو يصلح للحوار، فمن الخطأ أن يُدافع عن الحق من ليس بأهله، فإنه ينقصه ويقلِّل قدرِه، فالعلم شرط من شروط الحوار، وأفضل مافي ذلك التخصُّص ودقّة المعرِفة.

 

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here