إحسان… حلـو اللسان

0
764

ولد الشيخ رحمه الله في الفلوجة سنة 1967 وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، وهنا يتذكر الشيخ محمود عبد العزيز العاني موقفاً مع الشيخ احسان يوم ان كان طالباً في المدرسة فيقول ( دخلت الصف الخامس الاعدادي، ورايت احسانا وتوسمت فيه الخير، ثم كان بيننا تعارف، وتعاهُد على الطاعة، ثم لم يزل كذلك حتى نال الشهادة).

نشأ شيخنا الفقيد يرحمه الله تعالى في رياض مساجد الفلوجة، العامرة بالمصلين، حيث كان مواظبا على تعلم القران الكريم على يد الشيخ عبد الله حديد، ثم انتقل بعد ذلك الى الجامع الكبير في الفلوجة، وظل يرتاده ومواظبا على حضور صلاة الجماعة والدروس التي تلقى فيه من سنة 1983 الى 1992، اذ كان مقيما في المسجد ولا يرجع الى بيته الا قليلاً، وكان خلال هذه الفترة منكبا على حلقات العلم، وقد عُرف بعلوّ همته في تحصيل العلم مع ذكاء حاد، وذاكرة قوية وظّفها الشيخ الجليل في خدمة العلوم الشرعية.

شيوخــه

تتلمذ الشيخ الشهيد على يد عدة شيوخ، كالشيخ الدكتور هاشم جميل والشيخ مصطفى ابراهيم الزلمي والشيخ الدكتور عبد الملك السعدي، ولازم علماء الفلوجة سنوات عديدة مثل الشيخ بشير الحلبي حيث لازمه ثمان سنوات، والشيخ المجاهد حمزة العيساوي والشيخ جمال نزال والشيخ عبد الله حديد الذي درس عنده علم المواريث.

وقد اجازه الشيخ الدكتور ياسين جاسم المحيميد برواية حفص عن عاصم من طريق الطيبة، وكان يرحمه الله يعتز اعتزازا كثيرا بهذه الاجازة التي شرفه الله بها، واجازه الشيخ علي الراوي الموصلي بالقراءات السبع، واجازه الشيخ ابراهيم الشمري بالحديث النبوي الشريف بالكتب التسعة، وكان من المؤمل ان يجيزه الدكتور محمد رمضان في العلوم النقلية والعقلية لكنه نال الشهادة قبل ان ينال الاجازة.

مدرسة الوسطية

تأثر الشيخ رحمه الله بالحركة الاسلامية مبكرا، وكان لها المكانة السامية والاثر البالغ في تعزيز  وتعضيد مسيرته العلمية وتوجهاته الفكرية التي امتازت بالوسطية والاعتدال والذي ظل فقيدنا الشيخ يدعو اليها ويتمسك بها حتى ساعة استشهاده.

وكانت خطبه تتسم بالشمولية، وغزارة المعلومات وتنوع المواضيع، ومواكبتها لقضايا العصر ومشاكله ومستجداته مع التاكيد على لم شمل جميع العاملين في حقل الدعوة الاسلامية، والحرص على اغتنام كل فرصة سانحة في التاثير بين الناس عامتهم وخاصتهم، وايصال الفكرة وتنقية المفاهيم، فكان له في كل جلسة او مناسبة يحضرها لمسة دعوية وكلمة مؤثرة باسلوب شيق بسيط.

شارك في العديد من الرحلات الدعوية والوعظية شملت مدنا وقرى كثيرة في عموم محافظة الانبار استغرقت عدة سنوات، اخذت مه الكثير من جهد وقت، ولحبه الشديد للعمل الاسلامي ولدعوته التي امن بها عمل مع الاخوة الاخرين على جعل جامع الراوي في الفلوجة منارة من منارات الاسلام، ومحضنا من محاضن الدعوة واضعا نصب عينيه المدرسة الدعوية في مسجد البينة ابان السبعينات على يد الشيخ محمود غريب اطال الله عمره، حيث اصبح هذا الجامع يتوقد نشاطا من خلال دورات تحفيظ لاقران ودروس الحديث النبوي الشريف والنشاطات الثقافية كالمقالات والسفر وغيرها.

مع الناس

عرف عن الشيخ رحمه الله انه ذو شخصية اجتماعية من الدرجة الاولى حيث تجده مبتسما يسعى في خدمة الناس وتلبية ما يريدون ابتغاء وجه ربه الكريم، اذ ما دعي الى مناسبة الا اجاب، ويشارك الناس في افراحهم واحزانهم، واستطاع بفضل من الله ومنة بما اتاه من معرفة باحوال الناس وطبائعهم ومعرفة فريدة بالتقاليد العشائرية الحاكمة والبعيدة احيانا عن سماحة الاسلام ان يحل كثيرا من المشكلات العئلية والعشارية التي عجز الكثيرون عن حلها، لكنه بذكائه ونور دعوته وسمو مقصده استطاع ايجاد الحلول بتقريب وجهات النظر واعطاء التنازل من هذا الفريق او ذاك مستفيدا من فطرة المتخاصمين السليمة وعاطفتهم الجياشة وسماحة اخلاقهم حتى يصل الى ارضاء الله اولا ثم ارضاء جميع الاطراف، والجميع رابح باذن الله تعالى.

ولشيخنا دور متميز في دعم حفلات الزفاف واقامة الاعراس ذات الطابع الاسلامي والذي يجمع بين مشروعية الاحتفال فيه، وبين عدم الاسراف في الانفاق، وكان من بينها دعمه لحفل زفاف جماعي للمتزوجين من شباب الففلوجة الذي ينشد الاعتصام بكتاب الله الكريم وحبله المتين، كان هذا في عقد التسعينات من القرن العشرين، وهو عقد كامل من الحصار الذي القى اعباءه واثقاله على المجتمع العراقي، والذي خفتت فيه الكثير من الرايات وانزوت الا راية الحركة الاسلامية التي شمرت عن ساعدها لتخفف من هذه المأساة وترفع الاثقال والاعباء، فجاء مشروع الزواج الجماعي في تشجيع مشاريع الزواج لتحقيق التصاهر والتقارب بين ابناء المجتمع الواحد ولتقليل النفقات عن كاهل الشباب المتعفف ولاظهار قدرة الاسلاميين في ايجاد حلول لمشاكل المجتمع المتجذرة والذي تسبب فيها من يرمينا بالرجعية، اذ كان شيخنا القدوة الحسنة في دعم الانشطة الاجتماعية.

العمل الدؤوب

امتاز الشيخ رحمه الله بالهمة العالية، فكان كثير النشاط، سواء على مستوى المسجد او على مستوى المؤسسات، وكان من جهوده انه عضو في لجنة الاغاثة والمساعدات في حرب 1990 على العراق، وعضو مؤسس لجمعية الاداب الاسلامية في الفلوجة عام 1994 وعضو فعال في الجمعية الخيرية الاسلامية عام 1997 وتدريسي في كلية الامام الاعظم في الرمادي وعضو في لجنة الافتاء في مدينة الفلوجة وهو باحث متمرس في مركز البحوث والدراسات الاسلامية في الرمادي، ورئيس لجنة نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في الجامعة الاسلامية ببغداد ورئيس قسم العقيدة في الجامعة الاسلامية بعد استشهاد الشيخ الدكتور عبد الجليل الفهداوي رحمه الله، هذا فضلا عن عمله في الكثير من اللجان الدعوية وجمعيات النفع العام.

( إحسان.. حلو اللسان )

هذه العبارة كان يلقبه بها احد شيوخه، لما يجد فيه من الخلق الحسن، والذوق العالي في التعامل مع الاخرين، فقد كان رحمه الله حلو الكلام.. لا تملّ جلسته، ضحوكاً دائم البسمة، يخلط كلامه بشئ من الفكاهة والظرافة، قد تميز بذلك منذ شبابه، لذا احبه الناس وكتب له القبول بينهم.

كان رحمه الله جريئا ينطق بكلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم، ويحزن كثيرا على ما يحصل في البلاد الاسلامية وخصوصا بعد فاجعة الاحتلال، حتى نجده لا تمر خطبة الا ويتكلم فيها عن اوضاع البلاد وما آلت اليه الامور.

تمتع بصفة الوفاء فهو يتفقد زملائه ومحبيه ويسال عنهم، فيساعد الضعيف، ويعطي المحتاج، ويواسي الحزين، حتى ان اخر عشرة الاف دينار في جيبه قد اعطاها لامراة محتاجة بعد صلاة المغرب قبل استشهاده بقليل.

كان رحمه الله خطيبا مفوها لا يلحن في قوله، فصيحا، عارفا بكلام العرب، ومان من شدة حبه للخطابة انه ذات مرة اجريت له عملية جراحية وبعد الانتهاء من العملية نقل الى الردهة، واذا به – وهو تحت تاثير المخدر- يصدح بصوته خطيبا وكانه على المنبر.

استشهاده

صلى الشيخ صلاة العشاء في جامع الراوي وسط مدينة الفلوجة يوم 29/7/2010، وقد تقدم احد الاخوة اماما للمصلين، وبعد تمام الصلاة وخروجهم رافقه الشيخ الشهيد مصطفى العاني رحمه الله الى سيارته التي كان قد ركنها في مراب مغلق قبالة الجامع.

وفي طريقهما الى السيارة انفجرت عبوة ناسفة زرعت عند باب المراب، اصابت الشيخين واربعة من شباب المسجد، نقل الشيخ ومن معه على اثرها الى المستشفى، واجريت له عملية جراحية لاخراج الشظايا التي انتشرت في جسده، اما الشيخ مصطفى فقد استشهد في حال وصوله المستشفى.

وبعد العملية الجراحية للشيخ إحسان رحمه الله، أفاق من التخدير لمدة خمس دقائق، وكانها صحوة قبل الموت، وكان أول سؤاله عن شباب المسجد هل أصيبوا؟ وكيف ال الذين اصيبوا؟ ليغمض عينيه بعدها، وينام نومته النهائية، نومة هنية راضية نفسه ومطمئة باذن ربها، منتقلا الى جوار رب رحيم ليجزيه عما فعل من خير ما يجزي به عباده الصالحين.

وهكذا طويت صفحة من صفحات دعاة الاسلام، شاهدا على عصر من عصور الاجرام الذي خلفته لنا انظمتنا المستبدة وسلمت شعوبها بيد اسيادهم المحتلين الذين سمحوا لكل قاتل ومجرم ان ينال بدلا عنهم شيخا من شيوخ الحركة الاسلامية ورجالهم.

ومن تمام نعمته سبحانه على الشهيد ان رزقه ولدا بعد استشهاده اسموه ( احسان ) تيمنا بابيه رحمه الله، ليواصل مسيرة والده ويكون فارسا للاسلام كابيه، ويتم الله به دعائم دعوته ان شاء الله.

تغمد الله شيخنا العامل بواسع الرحمات، واكرمه بصحبة سيد السادات محمد صلى الله عليه وسلم.

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here