شباب “العدل” وجيل “الإحسان”

0
960

محمد صادق أمين

حين نتأمل تاريخ أمتنا، نجد أن أعظم مراحلها التي عاشتها وحققت فيها الإنجازات الحضارية، وتفوقت فيها في ميادين الحياة المختلفة، هي تلك التي ساد فيها “العدل” واندحر فيها الظلم.

وحين نتأمل تاريخنا القريب، ونحن نبحث عن أسباب تخلفنا اليوم، وإقامتنا الدائمة في ذيل الأمم، وأسفل السلم الحضاري للإنسانية، نجد أن غياب “العدل” وانشار الظلم يقف على رأس أسباب سقوطنا من علو، وتنازعنا الذي أفضى بنا إلى الفشل والضياع والغلو.

وحين نراجع تجربة الدولة العراقية منذ عام 2003 إلى اليوم، وأسباب كل هذا الكم من التخلف في السياسة، والاقتصاد، وبنية المجتمع، وبناه التحتية، بعد عقد ونصف من العمل السياسي التعددي، نجد أن الظلم الذي اتسمت به المرحلة السابقة يقف وراء كل إخفاقاتنا في بناء دولة عصرية توظف مواردنا الضخمة التي تجعلنا في مصاف الدول الثرية لكثرة الثروات وتنوعها في مشروع نهضوي، فحين غاب “العدل” انتشرت المحسوبية، وغلبت الانتمائات الضيقة على حساب الانتماء الوطني، وتغوّلت الشخصانية التي جُبل عليها الإنسان بحب السيطرة والنزوع للدكتاتورية على حساب المؤسسية التي تضبط هذا الجنوح نحو التأله، فصرنا نتصدر قوائم الفساد، وتراجع مستوى المعيشة، وغياب الشفافية، وانتشار القتل والفوضى، التي تصدرها المؤسسات الأممية، ونقبع في ذيل قوائم أخرى تتحدث عن الرفاه والانجازات في البناء والعمران والرقي الاقتصادي وما سوى ذلك.

لذلك؛ أكثر ما يحتاجه العراق اليوم للنهوض من كبوته هو “العدل” الذي تقوم على مبادئه مشاريع النهضة، ومن خلاله تنتشر الصحوة الوطنية، ولايمكن لأحد أن يدرك هذه الحقيقة ويعمل بمقتضاها مثل أجيال الشباب الصاعدة، التي أصبحت تدرك اليوم بفضل تدفق المعلومات الهائل الذي لم يعد أحد قادراً على الوقوف حائلاً أمامه دون الناس، أننا نعيش في ظل دولة يحيط بها الفشل من كل جوانبها؛ كما يحيط السوار بالمعصم، وأن المخرج من ذلك كله أن ينخرط الشباب الصاعد في مشاريع بناء الذات، وتعلم فنون القيادة وأساليب صناعة الحياة وفق النظريات العصرية التي تفهم متطلبات المرحلة، ووفق معطيات الواقع وطبيعة المعادلات التي تحكم قيام الأمم وبناء الدول القوية التي تعتمد على الإنسان أساساً في كل استثمار وبناء، وبعد ذلك كله ومعه وقبله؛ أن يُتخذ رفع المظالم ونشر “العدل” أساساً لصناعة النهضة والخروج من مستنقع التخلف ودركات الفشل.

وحين ينشيء شباب يؤمن برسالة “العدل” وينخرط في مشاريع إعادة الحياة للوطن، يولد جيل “الإحسان” الذي يأخذ على عاتقه إقامة البنيان بأحسن ما تفتقت عنه معارف الإنسان.

إن المتتبع لمسيرة البلدان الصاعدة في العالم اليوم، يجد أن أول شرارة النهوض كانت بتبني فريق فيها مبدأ “الإحسان” في العمل، فالمحسنون يحملون هموم أوطانهم بإيمان الصادق وعزيمة الواثق، ويجعلون نصب أعينهم المصلحة العامة ويتخذونها هدفاً متجردين من ذواتهم لصالح أمتهم، متخذين من أنفسهم وأرواحهم مشاعل تضيء حوالك الظلم وتبدد أصعب العقبات.

وحين نضع كبريات تجارب الإصلاح الاجتماعي والسياسي في العالم اليوم، مثل تجربة “غاندي” في الهند، و”مانيدلا” في جنوب افريقيا، و”مهاتير محمد” في ماليزيا، و”أردوغان” في تركيا، تحت مجهر البحث ومشرط التحليل نجد أن “العدل” و”الإحسان” ركنين ركينين في هذه التجارب التي وضعت شعوب تلك الدول على مسارات الرقي والنهضة.

وإذا كانت التجارب النهضوية المعاصرة قامت على مبدئي “العدل” و “الإحسان” فإن بين يدينا أم التجارب التاريخية والمعاصرة، الحضارة الإسلامية على امتداد القرون السالفة التي قدمت للإنسانية نموذجاً يحتذى في بناء الدولة الناجحة المنتجة المزدهرة التي تعتمد على الإنسان وبنائه كرأس مال في صناعة الحياة المزدهرة، وهي قامت على المبدأ القرآني الأصيل في قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون) وكما في كل القرآن الكريم، نجد في هذه الآية محددات هامة ومباديء أساسية لو اعتمدت منهجاً لتربية النفوس والشعوب، ومنطلقاً لمشروع سياسي واجتماعي وثقافي وفكري، لكانت ثمراتها أمة بقلب نابض وروح وقادة.

لاشك أن الأجيال الصاعدة في العراق اليوم بدأت تعي الكثير من الحقائق بعد سنين عجاف من الإخفاقات، وثمة روح تسري بين شبابنا سرعان ما تتوهج لتتحول مصابيح تهدي السالكين إلى مقاصدهم، وتنشر “العدل” الذي طال انتظاره، و”الإحسان” الذي تتوق له الأمم عالية الهمم.

أترك تعليقاً

Please enter your comment!
Please enter your name here